ظهرت في الآونة الأخيرة إحصاءات وأرقام، وتعالت أصوات تتحدث عن ظاهرة الفقر والفقراء في الإمارات، وتزايد العائلات المعوزة التي تحتاج لمن يتكفل بنفقاتها. وهؤلاء قد يكونون مواطنين، وقد يكونون من الإخوة المقيمين وكشوفات الجمعيات الخيرية تؤكد وجودهم.

ولذلك فنحن لا ننكرهم أولاً لأن ظاهرة الفقر والفقراء ظاهرة إنسانية ملازمة لأي تجمع إنساني في كل زمان ومكان، فحتى أغنى دول العالم يوجد فيها فقراء، فالأمر إذن عادي جداً، وثانياً لأننا أبناء هذا المجتمع ومن عمق نسيجه ولذلك فنحن نرى ونسمع ونلتقي بهؤلاء. إذن فلا داعي لإنكار وجودهم.

الملفت في الظاهرة ليس وجودها وإنما تزايد معدلاتها يوماً إثر يوم في بلد غني وقوي اقتصادياً ومليء بالفرص الكبيرة كالإمارات، ما يستدعي النظر والدراسة هذا أولاً، أما ثانياً فهو إدمان الشكوى من خلال برامج البث المباشر وبشكل يبدو في أحيان كثيرة خارج نطاق المألوف والمتعارف عليه في الإمارات التي عرف سكانها الفقر قبل طفرة البترول،

لكن ذلك الفقر دفعهم للعمل والسفر بعيداً بحثاً عن الرزق كما عوَّدهم على الصبر والاعتماد على الذات والاكتفاء بالقليل من الطعام والشراب. فكانوا بحق رغم فقرهم كما تصفهم جداتنا وأمهاتنا «تحسبهم أغنياء من التعفف لا يسألون الناس.. » صحيح إن إمكانيات اليوم تختلف عن الأمس، وإن لهؤلاء حقوقاً على الدولة ومؤسساتها كما هو حاصل في كل دول العالم، لكن المطالبة بها ليست بهذه الطريقة أبداً.

مازال هناك فقراء متعففون، لكن نسبة هؤلاء الذين يبثون شكواهم بشكل صارخ عبر الإذاعات صار ملفتاً إن لم يكن في نسبته العددية، ففي الطريقة نفسها، حتى صرنا نعتقد بأن هناك اتفاقات مسبقة مع المذيعين للقيام بذلك كنوع من الإثارة وزيادة جمهور المستمعين والمتفاعلين لضمان نجاح البرامج الإذاعية المباشرة!

طبعاً ليس هناك اتفاق، نحن نعلم، ونعلم أن الفقر صعب والحاجة مرة، لكن الأمر لتفشيه أسس فعلاً لظاهرة الاستجداء عبر البث المباشر، هذا الاستجداء الذي يشجعه بعض المذيعين بوعود يقدمونها لهؤلاء من أجل حل مشاكلهم المادية بسرعة البرق أحياناً، بينما يتوجب تأسيس أشكال مؤسساتية علمية لحل مشاكل المحتاجين وشرائح الفئات الخاصة من الأرامل والمطلقات وزوجات السجناء وأبنائهم،

وهي أشكال موجودة بالفعل إن كان بواسطة المؤسسة الرسمية الحكومية وهي وزارة الشؤون الاجتماعية، أو بواسطة أو مساعدة الجمعيات الخيرية والإنسانية، وعلى الإعلام أن يكرس ظاهرة التعامل في موضوع الحقوق والاحتياجات مع مؤسساته التي عليها أن تخدمه،

وتقدم له ما يحتاج دون أن يضطر لأن يستجدي ويبكي ويبث شكواه على الملأ، بينما يسمع العالم كله عن الإمارات وأياديها البيضاء الممتدة بالعطاء لكل محتاجي العالم، فكيف يتحول مواطنوها أو ساكنوها إلى شحاتين عبر الإذاعات إذن؟ مهمة الإعلام تكريس الوعي بالحقوق وإشاعة ثقافات إيجابية وما يحدث في هذا الاتجاه ليس وعياً وليس إيجابياً.

ayya-222@hotmail.com