يبدو أن موضوع الاحتباس الحراري المتداول بحماس في كافة المحافل الدولية، قد أصبح مادة للتجاذب الإيديولوجي بين مدرستين تحاول كل واحدة منهما فرض نفسها وإقناع العالم بدقة وصواب نظرياتها، فتجهدان بتقديم الحجج والمبررات التي تدعم موقفهما وتبرران بالتالي كيفية تعاطيهما مع موضوع بات يشكّل مادة أساسية في برامج حكومات الدول المتطورة وغيرها.
فالمدرسة الأولى التي يتمحور حولها أنصار الأحزاب الخضراء على اختلاف أنواعها ممّن يدعون حرصهم على البيئة أكثر من غيرهم، ومنهم آل غور، أخذت تدق منذ فترة ناقوس الخطر باعتبار أن ما يجري من تجاهل ولامبالاة سيؤثر بشكل سلبي جدا على الكرة الأرضية، خصوصا إذا لم يتم إقناع بني البشر بتصويب تصرفاتهم وطريقة تعاطيهم مع الطبيعة.
وترى هذه المدرسة أن البشر يتحمّلون من خلال تصرفاتهم مسؤولية النتائج السلبية، والتي باتت ـ حسب رأيهم ـ تظهر على المناخ والطبيعة تباعا، وتستدعي بالتالي حث الخطى من خلال فرض الإجراءات الوقائية التي قد تكون ظالمة وقاسية بالنسبة للبعض لكنها ضرورية لتأمين مستقبل أفضل للجميع دون استثناء.
أما المدرسة الثانية والتي بدأ أنصارها يصرخون بأعلى أصواتهم مؤخرا، فيجزمون بأن ما يشاع حول هذا الموضوع هو مبالغ به كثيرا، وأنه ليس سوى جزء من «مؤامرة» مدروسة لا أساس منطقي لها، وبالتالي فأنهم قادرين من خلال منطق العلم على دحض جميع المبررات التي يطرحها أنصار المدرسة الأولى.
ويبرز من هذه المدرسة الرئيسان الأميركي جورج بوش والتشيكي فاتسلاف كلاوس وعدد كبير من العلماء في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها، الذين كثّفوا في الآونة الأخيرة من حضورهم وخاضوا أعنف المعارك لتأكيد فرضياتهم وصحة حججهم.
وكان الجدل حول مسألة الاحتباس الحراري قد اشتد مؤخرا مع اقتراب موعد المؤتمر الدولي المزمع عقده في أروقة الأمم المتحدة حول هذا الموضوع الحساس، وتزامن مع «المعركة» الكلامية التي اندلعت مؤخرا بين أنصار المدرستين، والتي ظهرت في إطارها العام وكأنها تحضير للمعركة الحقيقية المتوقعة خلال المؤتمر الدولي المذكور.
وبرغم حرص الجانبين على وضع ما يجري ضمن إطار الحوار العادي، إلا أن الطابع التي تتسم به التصريحات والحملات الإعلامية، تثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن الصراع قائم فعليا بين نظريّتين متضادتين تماما تحاول إحداها نقض الأخرى دون أن تفسح لها مجالا للاستمرار والتطور.
ما هو جوهر الصراع إذا؟
إن ما بات متعارف عليه من خلال الوثائق الرسمية المختلفة التي صادقت عليها منظمة الأمم المتحدة من خلال لجنتها الحكومية الخاصة بالتغيير المناخي وتبنّته أكاديميات العلوم في الدول الصناعية الثمانية (ولا أقول حكومات هذه الدول)، هو أن معدل حرارة الكون قد ارتفع منذ القرن التاسع عشر بمعدل 2. 0 إلى 6. 0 درجة مئوية، وأن معظم نتائج هذا التدهور خلال الخمسين عاما الماضية يتحملها البشر بشكل خاص من خلال تصرفاتهم.
فهم الذين يساهمون بزيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات السامة التي تُنفث في الأجواء من خلال حرق الوقود وما شابه، وهم الذين يصرون على الاستمرار بإتلاف الغابات وممارسة النشاطات الأخرى المدمّرة للطبيعة.
وحسب الدراسات التي اعتمدت عليها اللجنة المذكورة فأن حرارة الكون خلال العام 2100 قد ترتفع إلى ما بين 4. 1 و8. 5 درجات مئوية مقارنة بما كانت عليه في العام 1990، يضاف إلى ذلك سلسلة من العوامل الطبيعية السلبية الأخرى التي ستظهر تباعا مثل ارتفاع منسوب المياه في البحار وحدوث اضطرابات كثيرة في حركة هطول الأمطار، ما سيؤدي بالطبع للفيضانات في بعض المناطق وجفاف في مناطق أخرى، وموجات غير منسجمة من الحرارة المرتفعة وعواصف طبيعية غير عادية.
وفي وثيقته التي تحمل عنوان «الحقيقة المرّة» زعم آل غور بأن آلاف العلماء لم يتمكنوا حتى الآن من إثبات عكس ما يدّعيه مع أنصار المدرسة التي نتحدث عنها، وهو أن الإنسان يتحمل بالدرجة الرئيسية مسؤولية التغيير الجذري في المناخ.
لكن أنصار المدرسة الثانية التي بدا الرئيس التشيكي مؤخرا وكأنه من أنشط أقطابها، يصرون على ضرورة عدم تضخيم الأمور والتعامل مع موضوع الاحتباس الحراري بمنطق عقلاني، وبالتالي الحرص على عدم تحميل البشر مسؤولية ما يجري، لأن التسرّع في فرض الإجراءات التي يطالب بها البعض سيؤدي لثمن باهظ جدا ستدفعه أيضا جموع العمال الذين سيفقدون وظائفهم.
ولعلّ هذا المنطق، بالإضافة لأسباب أخرى بالطبع، هو ما دفع بكل من الولايات المتحدة واستراليا لرفض التوقيع على «بروتوكول كيوتو» ذات الصلة بهذا الموضوع، برغم الضغوط الكثيرة التي مورست ضدهما.
وانطلاقا من وحي هذا التفكير يرى أنصار هذه المدرسة بأن «تنفيذ أحكام ومبادئ بروتوكول كيوتو سيكلّف العالم بأجمعه حوالي 150 مليار دولار سنويا وبالتالي فإنه من الأفضل استثمارها في مجالات أهم».
إضافة لذلك فأن المنظمات المدافعة عن البيئة وفي طليعتها منظمة «غرين بيس» لا تهدف من نشاطاتها الاحتجاجية «سوى كسب مزيد من الأموال لصالح مشاريعها» الرامية لبناء سلسلة من محطات الطاقة التي تعمل على المراوح الطبيعية الضخمة أو ما يعرف بطواحين الهواء.
ولا يجب أن ننسى في هذا المجال أن الحكومة الأميركية تضخ حوالي ملياري دولار سنويا لتمويل البحوث الخاصة بالتغيير المناخي، وبالتالي فإن العاملين في مصالح الأرصاد الجوية يحرصون ـ حسب رأيهم ـ على إشاعة حالة من الخوف لكي لا يجف مصدر هذه الأموال الهامة.
لكن جوهر الخلاف يبقى محصورا في تفاصيل المنطق الذي يتعاطى فيه منظرو هذه المدرسة، حيث يؤكدون بأنهم «لا يوافقون على الاحتمالات التي تدعو لإدارة عملية تطور المناخ بشكل مركزي، لأن ذلك ليس مطلوبا أبدا».
إضافة لذلك، فأنه سيكون لأية إجراءات يتم فرضها وفق منطق الطرف الآخر وقع سيء على العالمين المتطور والنامي، «وسيكون لها أيضا وقع سيء على حرية الفرد التي هي شرط أساسي لأي تطور محتمل لهذه الحضارة الإنسانية».
كلام جدي يعكس تفاوتا خطيرا في إدراك الأمور المرتبطة بالموضوع المناخي. فهل ما نشهده حاليا هو بالفعل انعكاس لما يصفه البعض بهستيريا الاحتباس الحراري، أم واقع ثابت لا لبس فيه؟
أنه بلا شك تباين إيديولوجي واضح يدور على أرض علمية واسعة، وهذا ما سيتبيّن بالوقائع الملموسة خلال المؤتمر الدولي المقبل، الذي يبدو من المعطيات المتوفرة حاليا أن بطليه المتصارعين سيكونان آل غور وفاتسلاف كلاوس.
كاتب لبناني