في كل مرة يخرج الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي عهد مملكة البحرين عن صمته، ويفاجئ الشارع السياسي البحريني بتصريحاته المرفقة بخطوات عملية، فتتحول أحاديث المجالس حوارا عن كل كلمة قالها وفي أي اتجاه تمضي وما هي دلالاتها.

فقد أكد هذه الأيام مسألة تعزيز أنظمة الرقابة والتدقيق في الشركات الواقعة تحت مظلتها والتصدي والكشف عن التجاوزات الضارة والإعلان عنها، تأكيدا لمبدأ الشفافية والنزاهة والحفاظ على المال العام، وبتقديم المتسببين فيها إلى القضاء، معلنا أن هذا التوجه هو تحقيق لتوجهات الإصلاح الاقتصادي الشامل وتأكيد لمرحلة جادة نحو محاربة الفساد المالي والإداري أيا كان موقعه.

خلال سبع سنوات من عمر المشروع الإصلاحي، والذي لم ير فيه الناس كل أحلامهم المنتظرة نتيجة المياه الراكدة التي تمضي من تحت النهر، وهي تحاول بكل هدوء هدم أعمدة المشروع بطرقها المعلنة وغير المعلنة.

خلال سبع سنوات من التنفس والتنفيس والبحث عن فضاء أرحب لعله يأتي بطوفان جارف يزيل كل مخلفات الفساد القديمة والجديدة، التي أينعت في السنوات السبع بهدوء وحذر، لكون ايجابيات المشروع الإصلاحي بات يفاجأ الناس بلغة إعلام وصحافة أكثر شفافية من الماضي،

وبمداهمات على أوكار الفساد الضاربة أطنابها في ذيول الأروقة والمكاتب والأوراق الخفية والشفرات المبطنة والملتوية، تلك اللغة الكريهة التي يفطن لها مدبروها والفاعلون الأساسيون في ملعبها الرحب!

سبع سنوات ونحن نكتب مع كل الأقلام الشريفة حول ظاهرة الفساد، التي من أكثر الأعداء شراسة لإفساد المشروع الإصلاحي لكونه يحاول وضع المال العام في مساره السليم ومجالاته المشروعة، باعتبار أن المال العام حقا وملكا للدولة التي تمثل شرعية مواطنيها وشرعية العدالة المنتظرة في تصريف المال العام في الأوجه الصحيحة،

وكلما صار المال العام في الحفظ والصون كان المشروع الإصلاحي ترجمة حقيقية لكل مواد الميثاق والدستور والأحلام المنتظرة الكبيرة، لقضايا تمس حياة الناس اليومية من سكن وأجور ومعيشة وغيرها من المشاكل المستفحلة.

ما توقعناه جميعا وما كنا نتوقعه، هو الكشف عن كل ركام الماضي الفاسد العالق في جسد المؤسسات الرسمية والشبه حكومية كما هي مؤسسة البا (شركة المنيوم البحرين) التابعة ضمن مظلة شركة ممتلكات البحرين القابضة التي تعتبر في بلادنا واحدة من أهم واكبر مصادر الدخل الوطني، فهي برغم طبيعتها العملاقة في مصادر الدخل،

فإنها بالضرورة تصبح كبيرة وعملاقة في كيفية استحلاب واستنزاف ثروتها ودخلها الوطني، وبقدر ما تصبح المؤسسة كبيرة وعملاقة في دخلها فإنها تصبح بالمقابل مجالا رحبا لحركة الخفافيش والأيدي السوداء، التي تجيد فن التطاول على المال العام، فتفسد ما تفسد وتسرّب ما تسرّب وتهّرب ما تهّرب، ويا لها من سنوات طوال تم فيها الغرف والجرف،من ذلك البئر الثري بمعدنه وماله. فكم يا ترى تم من نزف مال عام خلال ولادة هذا المشروع وهو في مهده؟

كم من الأرصدة والحسابات رحلت إلى بنوك الدنيا في القارات الخمس؟ وكم سالت من دماء ودموع لطبقتنا العاملة، تارة ببكاء عائلات فقدت أعز ما لديها في تلك الأحواض الجحيمية القاتلة، ودماء نزفت عند كل منعطف من منعطفات المصنع التاريخي.

فيا للمفارقة للتاريخ وللحقيقة والحياة، فمن كانوا يفرحون ويمرحون بغيهم بات البعض منهم يرجف قلبه كلما تم الكشف عن عورة الفساد المستترة ولو بورق التوت، فلعل سواد الليل يساعد على الهروب نحو حدود العالم السري، وحمل حقائب ذهب في سفن سندباد البحرين المجروحة بالألم والضغينة والتدمير.

لهذا لا يهم لدى الفاسدين أن تغرق سفينة البحرين بشعبها التواق للحرية والكرامة ولقمة العيش الكريم. يا لها من مفارقة غريبة ففي الوقت الذي يطالب فيه مجموعة من العمال بحقوق فترة السبعينات لضيم وحيف مسهم، دون وجه حق سوى أنهم فتحوا أفواههم في الدفاع عن حقوق الوطن والعمل،

بذلك العرق المهدور تحت مسننات الآلة الخرساء، والتي كانت تبتلع كالتنين كل فترة إنسانا شابا، فيرفعه العمال نحو المقبرة وداعا وتوديعا حزينا، ورغم ذلك استكثروا مطالبهم في دنانير نهايتها باتت من سرقات الفساد!

بين حزن الماضي في ألبا ومعاناته في الحاضر، بدأت مفارقة السبعينات تطفح على السطح لتزيح ستارة العتمة، ستار الفساد الضارب في كل زاوية في البا وغيرها، فكم حمل الفاسدون من أموال السبعينات حتى لحظة كتابة مقالتنا؟ من يفتحون الملفات القديمة يستطيعون أن يشموا رائحة الفساد المالي والإداري أفضل منا، فهم اقرب للرائحة وينبوعها، لشركة اختزنت في دفاترها وأوراقها أموال باهظة!

فهل سنسمع أقوال ونشهد أفعال اصدق من ذلك، تقودنا خيوطها نحو الأعمق، أم يصبح الصغار دائما هم كبش الفداء ويرحل المتهمين نحو المجهول، أو يحالون إلى أوراق متهمين غيبهم الموت وصارت عظامهم رميم؟

للفساد جماعته، بطانته وإخوته وأحباؤه، الذين يرضعون من ثدي واحد، فلو شعر الفاسدون الصغار بمحاسبة فساد الدائرة الأوسع، لما تطاولوا بكل سهولة على حصص الأرباح والأتراح، فتمترسوا بعد فسادهم بالغطرسة والقوة، وعاثوا فسادا وهم يختالون في الأرض جبروتا،

حتى وان كانت قامتهم قصيرة ورقابهم اقصر، ولكن عيون الزمن كوجه الحقيقة تستيقظ فجأة، فتعلن لنا شفافية العهد في بعض الحقول والمجالات بنبرة هادئة، تقول «ها نحن هنا اليوم فانتظروا المفاجأة؟» ولكن أفراحنا تصاب بالخيبة كلما فرحنا قليلا،

وبدلا من الولوج نحو الأفضل كل يوم نجد أنفسنا كثيرا ما نقع في حلقة الدائرة المفرغة في اغلب الأحيان، وبدلا من أن نتقدم خطوتين للأمام بعد كل خطوة رائعة ككشف أوراق الفساد في البا وشركة الحوض الجاف، نرى أنفسنا بعد وقت قصير، نسمع صوتا يجلجل في البرية أوقفوا هذا التحقيق وأغلقوا أبوابه عند تخوم «الاكباش الصغيرة»، فهي تكفي لهذا العيد القادم بعد انتهاء رمضان.

زوابعنا كثيرة ولكنها عابرة تنطفئ بمياه فساد سريعة الحركة والقوة والمناورة، فيطمئن البقية الباقية أن لا ملفات ستفتح بعد البا والحوض الجاف، ولن تفوح روائح ملفات جديدة مستقبلا! هذا الشعور بات يراود الناس لكونهم تلمسوا ملفات متواضعة للفساد انتهت في حضن اللعبة الخفية وأروقة السياسة والمحبة، بين جمعية الفاسدين المتغلغلة في كل وزارة ومؤسسة،

تفيض بمال الناس وشعبة ورعاية المحرومين في الأرض! ترى إلى أين ستصير رائحة ملفات البا الفاسدة؟ وكيف ستكون روائح فساد بدأ ولادته منذ السبعينات مع ولادة تدشين المصنع، الذي أطلق عليه عمال البحرين حينها «مصنع الموت»؟ فيا لها من رائحة يدرك عنفوانها المفسدون في الأرض؟

كاتب بحريني