إن تعيين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لبرنارد كوشنير وهو الرئيس السابق أو الأسبق لمنظمة أطباء بلا حدود وتلك المنظمة المعروفة بعملها الإنساني في مواقع ومناطق الحروب في العالم يدرك إن هذه المنظمة لم تكن يوما من دعاة الحرب أومن المتعاطفين معها.

وبالتالي ندرك إن برنارد كوشنير كرئيس سابق لهذه المنظمة ليس فقط لا يرغب في الحرب أو أن يدعو إليها وإنما لديه مواقف يفترض أن تكون مبدئية في رفض منطق الحرب وكل أشكال العنف في تعامل الدول والشعوب مع بعضها البعض.

وقد أكون غير مستغرب لو خرج تصريح برنارد كوشنير والداعي «لاستعداد العالم للأسوأ الذي هو الحرب» لثني إيران عن مشروعها النووي، عن أي من طاقم الحزب الجمهوري الحاكم في الولايات المتحدة الأميركية وقد نشمل في ذلك بعضا من ساسة حزب العمال الحاكم في بريطانيا قبل مجيء جوردن براون.

إلا أن يصدر مثل هذا الأمر من فرنسا تحديدا ومن وزير خارجيتها الاشتراكي، فهو لأمر ذو معان مهمة لا يجب القفز عليها بغية فهم هذا التحول في السياسة والمواقف الفرنسية، مع اعترافنا بالطبع إن جزءاً من المواقف الفرنسية السابقة من قضايا الشرق الأوسط وغيرها قد أملتها مصالحها الاقتصادية.

إلا أننا هنا أمام تحولات جد جوهرية في المواقف الفرنسية التقليدية من قضايا الشرق الأوسط سنشهدها خلال فترة حكم الرئيس ساركوزي لها. وأعتقد أن تصريح وزير الخارجية الفرنسي والداعي لاستخدام القوة كخيار للتعامل مع الحالة الإيرانية،

وفي فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية خارج أطر الشرعية الدولية، إن هو إلا تعبير عن التحول الجديد في السياسة الخارجية ولربما حتى السياسة الداخلية الفرنسية من قضايا المهاجرين والدمج الاجتماعي لهم وقضايا القدرة التفاوضية للنقابات العمالية والخصخصة، هذا التحول الذي عاشته أغلب الدول الأوربية الأخرى منذ ثمانينات القرن الماضي ولم تخبره فرنسا بذات القدر والتأثير.

ولو أن الآخرين من الأوربيين بدأوا يعدلوا عن هذه المواقف أو بدأوا يصححون بعضا منها سواء أكان ذلك في فكرة التخلي المطلق عن دور الدولة في الداخل الاجتماعي والاقتصادي أو في التبعية العمياء للولايات المتحدة الأميركية. ويمكن الاستدلال عليها من خلال تحولات السياسة الأسبانية من الحرب في العراق والقضايا الدولية الأخرى وكذا يمكن القول عن التحولات التي جاءت على المواقف الإيطالية من المسألة العراقية.

وأعتقد أن السياسة الخارجية الفرنسية بل مجمل السياسة الفرنسية على صعد الداخل والخارج هي مهيأة لتحولات مهمة تدفع نحو الابتعاد وبشكل واضح عن المواقف الفرنسية التقليدية المعروفة وتبني سياسات تقربها أكثر من السياسات الخارجية الأميركية .

وإن كانت غير متطابقة معها بالضرورة، وأخرى داخلية تصب في إطار التخلص من حمل الإرث الاجتماعي- الاشتراكي للجمهورية الفرنسية الخامسة. وأعتقد أن هذه التحولات قد أملتها الظروف والأسباب التالية:

أولا. تحولات الحزب الحاكم بقيادة الرئيس ساركوزي ويمثل نسخة جديدة من المحافظين الفرنسيين. وهي نسخة لم تعد خاضعة أو بالأحرى مكبلة بالإرث الديغولي أو الشيراكي (نسبة لشيراك). وحتى أولئك الذي كانوا محسوبين على الاشتراكيين الفرنسيين، لم يعودوا هم كذلك حبيسي مواقفهم الاشتراكية التقليدية المعروفة.

ثانيا: إن فرنسا وخصوصا في السنوات الأخيرة من حكم شيراك بدت أكثر ضعفا مما كانت عليه سواء أكان ذلك في قدراتها التأثيرية في السياسة العالمية أومن حيث حجم الثقل والتأثير الذي اعتادت عليه عندما كانت تشكل مع ألمانيا الثنائي الأقوى في أوروبا.

بل أن خروج الحزب الاشتراكي عن الحكم في ألمانيا والمرارة التي مازال الأميركان يحملونها عن المواقف الفرنسية من الحرب على العراق قد أضعفت نسبيا من موقع الثقل الفرنسية. لذا فإن الحل يتمثل بالنسبة للنظام الجديد في اللحاق بالركب الأميركي ولو كان متأخرا عسى أن يكون ذلك عونا على تجاوز معضل الوهن والضعف المحيط بها.

ثالثا: إن فرنسا باتت في السنوات الأخيرة تعاني من ضعف في الأداء الاقتصادي حتى أن معدل نموها الاقتصادي لم يتجاوز في العام الماضي أكثر من واحد ونصف في المئة في حين أنه أعلى من ذلك في أغلب الدول الأوربية وتحديدا في بريطانيا وألمانيا.

رابعا: إن ما يصرح به ويقوله وزير الخارجية الفرنسي برنارد كوشنير رغم خروجه أحيانا عن الدبلوماسية ورغم حجم التنديد الذي قد يثيره من أطراف دولية ورغم محاولات التصويب التي قد تأتي أحيانا من الحكومة الفرنسية، أو محاولات الابتعاد عنها، أي هذه التصريحات، من قبل المفوضية الأوروبية،

إلا أنها في عمومها يجب أخذها في إطار هذا التحول الحقيقي الذي بات يشكل الحالة الفرنسية الجديدة من مجمل قضايا العالم. وهي حالة باتت تبتعد رويدا رويدا عن الحالة الفرنسية التقليدية التي شكلها الجنرال ديغول ومن جاء من بعده من رؤساء بالجمهورية الفرنسية الخامسة.

فما يقوله أو يتلفظ به كوشنير ليست هي بزلات لسان ولا هي بقلة خبرة في السياسات الدولية أو ضعف معرفة بالعلاقات الدولية. وأن تكون الولايات المتحدة الأميركية جهة الزيارة الأولى للرئيس الفرنسي الجديد، إنما هي حالة جديدة باتت تنتاب فرنسا ولربما هي مقدمات لما يمكن تسميته بالجمهورية الفرنسية السادسة.

وهي جمهورية بات يشكلها الجيل الثاني من المهاجرين لفرنسا والذي لا تربطه بالإرث الثقافي والسياسي الفرنسي أية رابطة تاريخية بالإضافة بالطبع للتحولات الكبيرة التي باتت تصيب الفكر والثقافة السياسية في أوروبا، بفعل التحولات العولمية الكبيرة التي باتوا يتفاعلون معها مُشَكِلة لهم ومشكلين لها. وهي حالة لا يبدو أننا نقترب منها أو حتى نلامسها.

إنها حالة لم يعد العداء للولايات المتحدة الأميركية مشكلا للمواقف والسياسات الفرنسية من قضايا العالم. ولا أعتقد إن فرنسا ستبقى كما كانت في السابق قلعة الاشتراكية الأوربية بل إنها مقبلة على تحولات جوهرية وكبيرة، من حيث مواقفها السياسية وكذا من حيث استمرارية ثقل النقابات والأحزاب العمالية فيها.

وإن ما قد يصب مستقبلا هذه الجماعات والفئات والنقابات قد يقترب من ما أصاب النقابات العمالية البريطانية في منتصف العقد الثامن من القرن الماضي، والذي أدخل بريطانيا منذ ذلك الحين في اتجاه سياسي واقتصادي جديد لم يفلت منه حزب العمال البريطاني الحاكم صاحب الإرث الاشتراكي المعروف، فهل يا ترى سنشهد شيئا مماثلا في الحالة الفرنسية

وهل المنطقة يا ترى مقبلة على حرب أخرى يدعو ويسخن لها كوشنير الاشتراكي أكثر من رايس اليمينية المحافظة، أم أن العالم مقبل على تداخل في الإيديولوجيات والمواقف السياسية كما هو متداخل اقتصاديا ولربما ثقافيا، لننتظر لنرى ذلك.

كاتب بحريني