عند منتصف سبعينات القرن الماضي قبضت سلطات يوغندا على زعيم فريق من المرتزقة البيض وسلمته إلى الحكومة السودانية. كان الألماني رولف شتاينر يقوده فريقه داخل الأدغال اليوغندية للقيام بهجمات في جنوب السودان عبر الخط الحدودي لمساعدة حركة تمرد جنوبية تقاتل الجيش الحكومي السوداني.
في الخرطوم أجريت محاكمة لهذا المرتزق الكبير وحكم عليه بالسجن مدى الحياة. ولكن سرعان ما أطلقت حكومة الرئيس نميري سراحه استجابة لضغوط من الحكومات الأوروبية. الآن وبعد ما يقارب 40 عاماً تطور أمر المرتزقة.
في السابق كانت مجموعات المرتزقة البيض الناشطة في بلدان إفريقية تعتمد في التمويل على مساعدات من حكومات الغرب. لكنها الآن كما نرى في العراق صارت شركات خاصة مستقلة يوفر لها نشاطها أرباحاً أسطورية.
أنشطة الشركات الأمنية الأميركية في العراق صارت ظاهرة متنامية على خط مواز لأنشطة جماعات المقاومة العراقية المسلحة. وكأن الولايات المتحدة استفادت من تجربة الحكومات الأوروبية سابقاً، إذ أنه ليس من المتصور أن تلقي السلطات العراقية القبض على زعيم لأحد فرق المرتزقة كما جرى للألماني شتاينر على يد السلطات اليوغندية، فالشركات الأمنية الأميركية في العراق تعمل خارج إطار القانون العراقي.
خلال الأسبوع المنصرم لمع اسم شركة «بلاك ووتر» الأمنية الأميركية بعد أن قتلت عناصر تابعة للشركة عشرة مدنيين عراقيين فور الاشتباه بهم دون التحقق من هويتهم. على الفور أصدر رئيس الحكومة العراقية قراراً يقضي بسحب ترخيص «بلاك ووتر» لمنعها من مواصلة نشاطها الأمني تمهيداً للتحقيق مع أصحابها.
ولكن لم يكد يمضي يومان على قرار نوري المالكي حتى أصدرت السفارة الأميركية في بغداد قراراً مضاداً يسمح للشركة باستئناف نشاطها الأمني الدموي.وقالت المتحدثة باسم السفارة: «اتخذنا هذا القرار بعد استشارة الحكومة العراقية»!
عموماً لا بأس من الاستشارة كقاعدة عامة، لكن المالكي ربما نسي أن الشركات الأمنية الأميركية العاملة على الأراضي العراقية لا تخضع للقوانين العراقية. فبعد غزو العراق واحتلاله مباشرة أصدر الحاكم الأميركي في بغداد بول بريمر قانوناً يمنح الشركات الأمنية حصانة ضد القوانين العراقية.
ويبدو أن المالكي نسي أيضاً حقيقة أهم وهي أن العراق واقع تحت احتلال أجنبي. فالسيادة على العراق حكومة وشعباً وأرضاً تنفرد بها القوة الاحتلالية الأميركية. وشركة بلاك ووتر حصراً وتحديداً تعتبر جزءاً من هذه السيادة الأجنبية، فهي التي عهد إليها بمهمة الحماية الأمنية للسفير الأميركي وطاقم السفارة.
الشركات الأمنية الأميركية تتعاقد مع وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن نظير أموال ضخمة، لكن هذه الأموال لا تأتي من الخزينة الأميركية وإنما تأتي من عائدات النفط العراقي التي يسيطر على عمليات تدفقها وإنفاقها «مستشارون» أميركيون في وزارة النفط العراقية. ومن هذه العائدات يجري أيضاً تمويل الاحتلال العسكري الأميركي.
وهذا هو المعنى الاقتصادي للاحتلال.