يعيش لبنان الآن لحظات حبس أنفاس، تسوده حالة من التوتر غير المسبوق، طوال أزمته، مجلسه النيابي مدعو، اليوم إلى عقد جلسة لانتخاب رئيس جديد للبلاد، لكن باب التوافق لا يزال مسدوداً، والمهمة بالتالي يتعذر انجازها، والإيجابي في ذلك أن البرلمان اللبناني يعود إلى فتح أبوابه بعد إغلاق استمر حوالي عشرة أشهر.

الخشية، في المقابل، أن العد العكسي قد بدأ أمس لمهلة الشهرين الدستورية لإجراء مثل هذا الانتخاب، فيما الانسداد السياسي في ذروته، ويزيد الطين بلة أن هجوم هذا الاستحقاق يحصل في لحظة يخيم فيها هاجس الأمن وكابوس الاغتيالات السياسية على الأجواء، وآخر الضحايا كان النائب غانم، الذي سقط بتفجير سيارة مفخخة قبل خمسة أيام، فالبلد عليه السير على حبل مشدود، لمدة شهرين، وهي مدة محددة غير قابلة للتمديد أو التجديد.

مرحلة شراء الوقت قد انتهت، بالتالي لبنان أمام الاستحقاق الرئاسي، وجهاً لوجه: إما رئيس دستوري جديد؛ وإما الفراغ المفتوح على المجهول والمزيد من تعقيد الأزمة واستفحالها. تحت ضغط المهلة الدستورية تحددت جلسة البرلمان اليوم، سبقتها، تحت الضغط ذاته المبادرة التي طرحها رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

وقد حظيت هذه الأخيرة بردود فعل إيجابية واسعة من باب اعتبارها المدخل المناسب لمواجهة وتمرير الاستحقاق الرئاسي بخير وسلامة. على هذه الأرضية، تشكل جلسة اليوم ـ حتى ولو انه من المرجح عدم انعقادها لفقدان النصاب القانوني ـ تطوراً هاماً، من جهة هي عودة إلى اطار العملية الدستورية ومن جهة ثانية هي استئناف البرلمان لدورته ودوره؛ بعد إجازة قسرية طويلة وفي ذلك،

على الأقل، بداية عودة إلى الآليات التي ينبغي ان تحكم اختيار الرئيس الجديد؛ على حساب تراجع التمترس في المواقع المضادة والتراشق بخطاب التصعيد. وهذا بحد ذاته يفرض انتعاش التواصل، من جديد؛ بعد قطيعة طويلة، ساهمت في زيادة الجفاء وتوسيع الفجوة لاسيما وان بوادر مثل هذا التواصل بدأت تتوالى في الأيام الأخيرة.

وكان من المتوقع ان تتبلور وتتزايد لو لم يقطع حبلها الاغتيال الأخير، لكن المشجع ان ردود مختلف الاطراف أو غالبيتها الساحقة، حفلت بالتشديد على وجوب المضي في التحاور على طريق التوافق، كرد على سياسة الاغتيالات؛ التي يردد الجميع بأنها استهدفت المبادرة والحراك الواعد الذي أعقبها.

تبدو جلسة اليوم، إذا لم يحصل ما يعكر الأجواء ويزيدها تأزيماً، أقرب إلى فرصة للتلاقي من جديد. فرصة لكسر الجليد والبدء في عملية الترميم، فالمناخ حواري، تعكسه كثافة التحركات والاتصالات والزيارات؛ الجارية والمقرر ان تعقب جلسة البرلمان، ويرافق ذلك تراجع في درجة التشنج؛ فضلاً عن التصميم على متابعة التشاور والبحث عن التوافق المطلوب، بذلك حققت مبادرة الرئيس بري أولى وظائفها؛ ففتحت الطريق نحو الحلحلة.

جلسة اليوم من المتوقع ان تكون بمثابة الخطوة الثانية؛ إذا سارت الأمور على ما يرام، تبقى الخطوة الثالثة وهي التحدي، والتي تتمثل في تفعيل الحوار وجعله هادفاً وحاسماً؛ لانجاز الاستحقاق في موعده الدستوري ولعل العودة إلى البيت الطبيعي للحوار اللبناني ـ البرلمان ـ تكون المنطلق نحو هذا الانجاز.