ظل الدور الفرنسي في الشرق الأوسط متوازنا طيلة الحقبة الماضية حتى جاء ساركوزي على رأس الدولة الفرنسية ، فأراد أن يغير دفة هذه السياسة وملء الفراغ الذي أحدثه خروج توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق ، الذي ظل حتى آخر لحظة يعلن انه مقتنع بصواب تحركاته ورؤاه المتعلقة بتوريط بلاده في المغامرات العسكرية الأميركية بذريعة محاربة الإرهاب ويبدو أن ساركوزي لم يتعلم الدرس البريطاني جيدا ، ولم يوازن بين الضرورات ، ضرورة أن يجد الزعيم شيئا جديدا ذا قيمة ويترك من خلاله بصمته الخاصة على فترة حكمه وضرورة استقرار سياسة بلاده الخارجية والموازنة الدقيقة بين الحاجات الشخصية ومصالح الوطن .

لقد جاء ساركوزي الى ساحة الشرق الأوسط متأخرا ، حيث بدأ الاميركيون انفسهم يراجعون سياستهم بالشرق الأوسط بعد سلسلة الاخفاقات التي منيت بها السياسة الأميركية ولا يمكن استبعاد الاصابع الاسرائيلية التي دفعت السياستين الأميركية والبريطانية في الشرق الأوسط الى كل هذا الاخفاق الذي منيتا به وكان الأمل لا يزال قائما في أن تظل السياسة الفرنسية بمثابة (ضابط التوازن) إلا أن ساركوزي بدا متعجلا في شغل فراغ بلير إلى حد أثار دهشة الساسة الفرنسيين الكبار والخبراء بشؤون توازنات الشرق الأوسط مثل دومينيك دي فيلبان رئيس وزراء فرنسا السابق والدارس المتعمق والخبير العتيق بشؤون المنطقة .

حيث انتقد دي فيلبان ذلك الانحياز الفاضح من جانب ساركوزي إلى مواقف واشنطن واعتبر دي فيلبان وهو على حق فيما ذهب اليه ان ساركوزي (يطارد طموحه الشخصي) ودعاه الى السيطرة على هذا الطموح والسيطرة على نفسه لتهدئة حالة الهيجان واختتم دي فيلبان بالقول إنه لا يمكن للفرنسيين العيش في زوبعة دائمة خاصة بعد موجة الاستنكار الدولية التي اثارتها تصريحات ساركوزي وكوشنير ولا يمكن فصل الموقف الفرنسي الراهن وإن بدا غريبا عن محاولات اميركية لاثارة اللغط حول الاقتصاد الفرنسي وحين رفضت فرنسا الاشتراك في الهجوم على العراق قاطع الاميركيون الجبن الفرنسي واليوم هناك من يحاول التشكيك في الوضع المالي للدولة الفرنسية بالقول إنها في حالة إفلاس على الصعيد المالي وأنها تعاني من عجز مزمن لتبرير هذا الارتماء الساركوزي في احضان الإدارة الأميركية الحالية وشارك في مسيرة الضغط رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه الذي ألمح هذه الإلماحات في تصريح أمس .

وعلى المرء أن يوازن بين هذا الموقف المالي الذي يزعم انه ضعيف وبين الضغوط الاميركية لتقطع فرنسا علاقاتها الاقتصادية بإيران وغيرها من الدول فضلا عن الضغوط على مصالح فرنسا في إفريقيا ، ولا نستبعد أن تكون هناك حرب شاملة على (الفرانكفونية) التي تقودها فرنسا ، وهذا ما يجعل ساركوزي في موقف يحتاج فيه الى تحسس مواقع أقدامه قبل أن يغرقه الاميركيون في مستنقع ايران كما أغرقوا بلير قبله في مستنقع العراق ، لكن لم يشفع له ذلك مع شعبه الذي قال كلمته بأن بلير لم يعد يصلح لقيادة السياسة البريطانية ونأمل ألا يحكم التاريخ على ساركوزي كما حكم على بلير .