بينما تتركز عيون اللبنانيين والعرب والعالم أجمع على قاعة اجتماعات مجلس النواب اللبناني في بيروت ترقبا لما سيتمخض عنه يوم غد وإذا ما كان سيشهد ولادة رئيس جديد للبلاد على قاعدة النصف + واحد أم على قاعدة الثلثين أو حتى عدم اللجوء لعملية الاقتراع من أساسها،.
جاءت عملية اغتيال النائب أنطوان غانم في لحظة سياسية مفعمة بتراكمات سياسية مهمة يبدو أنها، فرادى أو مجتمعة، قد وضعت الإصبع على جانب أو أكثر من الجرح الحقيقي للوطن وراحت تشق طريقها باتجاه حل ما يسمى بمعضلة الأزمة الرئاسية والحكومية التي لا تعصف بالبلاد منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري فحسب، وإنما منذ عشرات السنين، وأول هذه التراكمات وأهمها بالطبع هي مبادرة الرئيس نبيه بري وبيان مجلس المطارنة، فضلا عن كثير من اللقاءات غير المسبوقة من نوع اللقاء الذي كان منتظرا بين بري وصفير أو اللقاء بين بري والحريري.
يبدو من العبث بمكان محاولة كيل الاتهامات على هذا الطرف أو ذاك في هذه الجريمة القذرة، مع تسجيل أنها قذرة ليس لأن الشخصية المستهدفة تنتمي إلى هذا الطرف أو ذلك، بل لأن العمل نفسه مدان بحد ذاته وبشكل مطلق بغض النظر عن هوية تلك الشخصية،ذلك أن أي فرضية حول هوية من يقف وراء هذه الجريمة أو سابقاتها هي فرضية مقبولة ولها مسوغاتها التاريخية وسياقاتها السياسية وحتى منطقها الأمني، فضلا عن وجود فرضية أخرى.
وهي الأقرب إلى الواقع تفيد بأنه ليس هناك قاتل واحد وإنما العديد من القتلة، الذين تبادلوا الأدوار في كل مرة وراحوا يتراشقون بالنار والبارود بدل الكلمات والآراء طوال المدة الماضية في مشهد مرشح للاستمرار والتصعيد طالما بقيت الأطراف المعنية بالمعضلة اللبنانية رافضة الولوج إلى قلب هذه المعضلة المتعلقة بطبيعة النظام السياسي في لبنان والذي أريد له أن يكون على هذا النحو طائفيا من أخمص القدم حتى قمة الرأس.
لكن حتى لو كانت فرضية تعدد القتلى صحيحة، إلا أن القاسم المشترك الأعظم الذي يجمع بين كافة الاعتداءات في لبنان هو التدويل والمزيد من التدويل والتدخل الأجنبي، فلقد استثمرت كل عملية من تلك العمليات من أجل تحقيق هدف سياسي معين، فجاءت القرارات الدولية تباعا وفرضت واقعا سياسيا جديدا على الساحة اللبنانية والمنطقة عموما يصب، في المقام الأول والأخير.
في مصلحة الكيان الصهيوني والاحتلال الأميركي في العراق، فلقد تم تأمين الحدود الشمالية للدولة العبرية من خلال استحضار قوة دولية ستبقى مرابضه في الجنوب اللبناني حتى إشعار آخر، بعد خروج القوات السورية من لبنان وتحجيم الوجود السياسي الفلسطيني هناك، لا بل واعتبار ذلك الوجود جريمة لا تغتفر حتى من قبل بعض الأطراف الفلسطينية.
ومثلما استغلت دماء أحد ضحايا تلك الاعتداءات وتم على أساسها تشكيل المحكمة الدولية التي يفترض أن تحاكم مرتكبي جريمة اغتيال الحريري، بعدما تعذر على مجلس النواب اللبناني الانعقاد واتخاذ قرار وطني ينص على تشكيل محكمة وطنية تتعامل مع هذه القضية، يبدو أن الدور قد أتى الآن على الاستحقاق الرئاسي المراد تدويله أيضا بعد تعذر التو صل إلى صيغة وطنية توافقية حول هوية الرئيس اللبناني المقبل، الذي لن ينتخب إلا على أساس طائفي بطبيعة الحال.
لكن إذا لم يتخلص لبنان من الطبقة الطائفية السياسية التي تحكمه منذ تأسيسه بإرادة الاستعمار، فلن ينجو بنفسه أبدا، ولا بد من البدء بأركان النظام الطائفي المتغلغل في جميع مناحي الحياة بما في ذلك الدستور وحتى اتفاق الطائف وكل الأطر السياسية اللبنانية الجامعة، التي تتكلم لغة طائفية صرفة، فإلى متى سيبقى لبنان رازحا تحت وطأة هذا الحمل الاستعماري الثقيل ومتى سيبدأ أبناؤه بالتفكير في تغييره وبناء نظام ديمقراطي حقيقي قائم على المواطنة والمواطنة فقط.
من واجب كل غيور على لبنان أرضا وشعبا تنحية أي خلاف أو اختلاف جانبا وسد الثغرة السوداء التي يتغلغل منها كاتم الصوت والصاعق المتفجر، كما من واجب الشخصيات والقوى الوطنية اللبنانية قرع ناقوس الخطر بصورة جدية بعيدا عن أي حسابات ضيقة والبدء فورا بتشكيل جبهة خلاص وطني ترفع لواء المصالحة والمصالحة فقط، على أساس برنامج وطني شامل ينبذ أولا الطبقة الطائفية السياسية ويزيح العفن الطائفي عن كاهل الوطن على طريق توحيد أبنائه.
href="mailto:bassil@albayan.ae ">bassil@albayan.ae