لا مخرج، والاستراتيجية، ولا حتى قول الحقيقة. هذا هو تلخيص صحيفة «نيويورك تايمز» بشأن السياسة المطبقة في العراق على أيدي الرئيس بوش ورجال إدارته وقادته العسكريين في الميدان.

وأنت تطالع افتتاحية هذه الصحيفة الأميركية العظمى خلال الأسبوع المنصرم فإنك لا تملك إلا أن تعجب لماذا لا يملك بعض القادة العرب مثل هذه الشجاعة الموضوعية في مخاطبة رئيس «الدولة الصديقة» التي تدعى الولايات المتحدة الأميركية. فالتداعيات الخطيرة التي سوف تنجم عن الانهيار النهائي للأوضاع في العراق سوف تصيب المنطقة بأسرها.

مع تسارع التدهور الأمني والسياسي في العراق وانتشار الفوضى العارمة ظل جمهور الشعب الأميركي ينتظر أن يسمع من إدارة بوش خطاباً صريحاً يعكس تفكيراً واقعياً بشأن العراق.

لكن ما تلقاه عوضا عن ذلك كما تقول «نيويورك تايمز» هو مناقشات وشهادات فارغة المضمون في قاعات الكونغرس تمتد لأيام ومؤتمرات صحيفة تستغرق ساعات طوالاً وسيلاً من الإحصاءات الخادعة المعدة في مطبخ وزارة الدفاع وخطاباً رئاسياً إنشائياً من البيت الأبيض.

مع ذلك فإنه مهما أطلقت إدارة بوش من دخان خداعي فان الحقيقة تبقى واضحة وهي انه ليس لدى الرئيس بوش استراتيجية لوضع نهاية لحربه الكارثية في العراق أو استراتيجية لاحتواء الفوضى التي دشنها قبل أكثر من أربع سنوات.

وتقول نيويورك تايمز: لو كان لبوش استراتيجية جديدة لما لجأ إلى تدبيج خطابات تضليلية. عوضاً عن ذلك لنبذ الرئيس حديث الإفك عن «النصر» ولتوقف عن تسويق أسطورة أن الحرب في العراق تحمي الشعب الأميركي من الإرهاب.. ومن ثم لفعل الرئيس ما تريده أغلبية شعبه وهو التخطيط الجاد لانسحاب منظم من الأراضي العراقية مع بذل ما يستطيع من جهد لتقليل عواقب هذا الانسحاب.

هنا يقول جنرالات البنتاغون إن عواقب الانسحاب ستكون دموية ومرعبة، هذا صحيح.. تقول الصحيفة الأميركية لكنها تستدرك قائلة إن النتائج الدموية والمرعبة هي في حقيقة الأمر نتاج للغزو الذي شنه الرئيس بوش وسوء إدارته في مرحلة ما بعد الغزو. ولذا فإن إصرار الرئيس على مواصلة الحرب لن يفلح إلا في جعل العراق أكثر دموية وأشد إرعابا.

والخلاصة كما تقترح الصحيفة هي أنه لم يعد أمام الولايات المتحدة خيار مشرف سوى وضع وتطبيق لإغلاق ملف الحرب نهائياً.

ويلزم أن يترافق مع هذه الاستراتيجية أمران:

أولاً: بذل ضغوط أميركية على حكومة العراق على طريق التصالح الوطني مع الفئات الأخرى مع تحذير الشريحة الحاكمة انه لن يكون بوسعها الاعتماد على الحماية الأميركية إلى الأبد.

ثانياً: بذل جهود جادة للتشاور مع الحكومات العربية بشأن الانسحاب وتداعياته ـ خاصة حكومتي سوريا وإيران.

ويبقى سؤال إذا كانت صحيفة أميركية عريقة لا تتحرج من مخاطبة رئيس أميركي بهذه الشجاعة الموضوعية فما الذي يمنع بعض القادة العرب من تبني نفس النهج؟