المفارقة الغريبة العجيبة ان يفتتح في إسرائيل مساء السبت 9/9/2007 مؤتمر دولي تحت شعار «مكافحة الإرهاب» بتنظيم من «المعهد السياسي ضد الإرهاب»، التابع للمركز الأكاديمي متعدد المجالات في هرتسليا، بمناسبة الذكرى السنوية لتفجيرات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وشارك في المؤتمر سياسيون وأكاديميون وخبراء عسكريون وممثلون عن أجهزة مخابرات في 47 دولة، منها دول عربية كما ذكرت بعض المصادر.

ومنبع الغرابة هنا ان تلك الدولة التي هي في الحقيقة الدولة الإرهابية الأولى على وجه الكرة الأرضية حتى بشهادات ووثائق إسرائيلية.... فيا للعجب والدهشة والذهول.. بل يا للوقاحة....!

فاستنادا الى المعطيات والحقائق الموثقة المتزايدة فإنه يمكن القول بدءاً أن التاريخ البشري لم يشهد إرهاباً سياسياً/ فكرياً/ عقائدياً/ عنصرياً/ دموياً/ منهجياً/ مرعباً/مروعاً، مع سبق النوايا والتخطيط والبرمجة والإصرار على التنفيذ بأبشع الصور والإشكال، كالإرهاب الذي مارسته الحركة الصهيونية بمنظماتها وأجهزتها الإرهابية السرية ما قبل قيام الكيان الإسرائيلي.

وكالإرهاب الرسمي وغير الرسمي -العلني والسري الذي مارسته وما تزال الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مدى العقود السبعة الماضية التي أعقبت قيام الكيان الإسرائيلي.

وعلى ذلك -إذا كان الرأي العام العالمي والغربي منه على وجه التحديد قد نسى أو تناسى الحقيقة الراسخة الموثقة: أن دولة «إسرائيل» قامت على أسنة الحروب والإرهاب الدموي وسياسة التهديم والترحيل والإلغاء الشامل للشعب الفلسطيني، وإن كانت ماكينة الإعلام الغربية/المتصهينة عملت في السنوات الأخيرة على «خلق إرهاب يرتدي ثوباً عربيا وإسلامياً بدلا من ثوب الاهاب الصهيوني».

وإن كان «الإعلام الغربي لعب ويلعب دوراً مذهلاً في قلب الحقائق والأمور وتحويل المجرم إلى ضحية والضحية إلى مجرم»، وإن كانت دولة إسرائيل وظفت وتوظف عدداً هائلاً من العاملين في قطاعات الإعلام والسياسة والمؤسسات الأكاديمية في العالم لتسويق فكرتها حول الإرهاب«، فإن الحقيقة الراسخة الموثقة تبقى أن منطقتنا العربية لم تعرف ذروة الإرهاب وتعاظمه وانتشاره إلا بعد إنشاء «دولة إسرائيل»، فهم أساتذة الإرهاب في العالم.

ولعل ابلغ وادمغ الوثائق والشهادات التي تفضح سجل إرهابهم هي تلك الصهيونية ـ الإسرائيلية التي أخذت تلك الدولة تفرج عنها او عن بعضها، او اخذ عدد من باحثيهم ومؤرخيهم أيضا يكشف النقاب عن بعضها.

في هذا السياق كشفت مصادر إعلامية إسرائيلية مؤخرا عن مخططات إسرائيلية لارتكاب جرائم بحق البشرية استعد لتنفيذها قادة «إسرائيليون» ضد الفلسطينيين والسوريين في الخمسينات من القرن الماضي.

واستند توم سيغف المحلل في صحيفة «هآرتس» العبرية في تقرير له حول هذا التاريخ بعنوان: الخطط الفظيعة للافون: إرهاب في سوريا وغزة كي تكون أجواء احتفاليةس، الى مقتطفات من مذكرات رئيس الوزراء الأسبق موشي شاريت تفيد بـ «أن زميله وزير الحرب بنحاس لافون أصدر أوامر بنشر بكتيريا سامة في قطاع غزة وسوريا- هآرتس23/8/2007».

وأشار شاريت إلى «أن موشي ديان، أحد وزراء الحرب، كان على استعداد لاختطاف طائرات وضباط من القطارات، وان رئيس الأركان مردخاي مكليف طلب إذناً لقتل الرئيس السوري أديب الشيشكلي، لكنه تردد حينما وكله لافون بنشر بكتيريا سامة في المنطقة السورية المنزوعة من السلاح».

وكان تقرير شامل عن «الإرهاب» الصهيوني بقلم الإسرائيلي «نوعم بيركوبتش» كانت نشرته صحيفة هآرتس العبرية في ملحقها الأسبوعي قد كشف النقاب مؤكدا: تظهر لنا اللوحة الإسرائيلية تاريخا منسيا لن يسر احدا، اذ قامت المنظمات اليهودية خلال فترة ما قبل قيام إسرائيل بتنفيذ مئات العمليات الإرهابية ضد العرب، أسفرت عن مقتل المئات منهم.

ويقول التقرير «الاعتراف الإسرائيلي الموثق»: ان الإرهاب اليهودي كان أكثر تطورا وتنظيما من الإرهاب العربي، وان الإرهابيين اليهود كانوا أول من استخدم تكتيك تنفيذ عدة عمليات إرهابية في وقت واحد وفي أماكن مختلفة وذلك بغية تقوية مفعول العمليات..».

ويؤكد الكاتب الإسرائيلي أيضا: من المذهل ان نكتشف الى اي حد طوي الفصل الدموي اليهودي ضد العرب في الذاكرة الإسرائيلية علما بان معظم مادة هذا التقرير تم الحصول عليها من البيانات الرسمية لمنظمات «الاتسل» و«الهاغاناه».

ويختتم الكاتب قائلا: في حين لم يكتب تاريخ الإرهاب اليهودي ضد العرب حتى اليوم وبأدوار معكوسة تماما لم يكن احد يتوقعها قبل خمسين عاما، يطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي السلطة الفلسطينية بتنفيذ مذبحة ضد إخوتها من الفصائل الأخرى.

وهكذا - تظهر الوثائق المفرج عنها من أرشيف الجيش الإسرائيلي في الآونة الأخيرة: أن الجيش الإسرائيلي عمل منذ قيام الدولة العبرية في العام 1948 على إزالة آثار قرى وبلدات عربية تم تهجير سكانها ومحوها من الوجود وتنفيذ حملات غايتها تفجير مساجد وأضرحة أولياء بأوامر صادرة عن قائد الجبهة الجنوبية في حينه موشيه ديّان، الذي حول حسب المؤرخ إلاسرائيلي فلسطين إلى صحراء مدمرة لطمس الحضارة العربية التي كانت قائمة وإقامة إسرائيل عليها عن تقرير لصحيفة هآرتس العبرية 6/7/2007 .

وإذا ما أضفنا الى ذلك جملة لا حصر لها من الوثائق الإسرائيلية والفلسطينية والبريطانية فانه يمكن التأكيد أن سياسة التهديم الشامل للمدن والقرى الفلسطينية، وسياسة الترحيل الشامل للشعب الفلسطيني اعتبرت ركيزة أساسية من ركائز الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل .

كما اعتبرت هذه السياسة من أشد الأسرار صونا في الحياة الإسرائيلية كما يؤكد البروفسور الإسرائيلي إسرائيل شاحاك قائلاً: قبل العام 1948 وضمن نطاق الأراضي المقامة عليها دولة إسرائيل تعد المسألة من أشد الأسرار صونا في الحياة الإسرائيلية، فلا توجد نشرة أو كتاب أو كراس يتحدث عن عددها أو مواقعها، وهذا أمر مقصود، وذلك من أجل أن تكون الأسطورة الرسمية المقبولة عن بلاد فارغة قابلة للتعميم في المدارس الإسرائيلية، ولروايتها للزوار والسياح.

وكان الصحافي والمؤرخ الإسرائيلي توم سيغف قد نبش بتاريخ 4/10/2006 فصلا مطويا من التاريخ الإرهاب الصهيوني الذي يحبذون في إسرائيل نسيانه... انه الإرهاب الصهيوني في العراق منذ سنة 1951.

فقد أكد سيغف بالوثائق ان إسرائيل وقفت وراء الاعتداءات «التفجيرات» ضد الكنس اليهودية في العراق من اجل إجبار اليهود على الرحيل الى إسرائيل عن الصحف العبرية 25./4/2006.

وبتاريخ 7/3/2006 كشف رافي ايتان المسؤول الكبير في الموساد الإسرائيلي سابقا النقاب عن ان إسرائيل نفذت عمليات اغتيال ضد علماء ألمان كانوا يساعدون مصر على تطوير صواريخ/عن صحيفة يديعوت .

وبينما كشف كتاب إسرائيلي جديد أصدره الصحافي اهارون كلاين النقاب أيضا عن ان الموساد هو الذي اغتال وديع حداد في العراق عام 1978 عن موقع عرب 48 تاريخ 6/5/2006 أكد الخبير الألماني في عالم الجريمة يورغن كاين، ان الموساد يقف ايضا وراء اغتيال رفيق الحريري «وجاء ذلك في كتابه الجديد الأدلة المغيبة في ملف التحقيق في جريمة اغتيال الحريري» عن موقع عرب 48 تاريخ 3/5/2006.

وبعد.... لا شك ان هذه الوثائق التي يفرج عنها تباعا ولو متأخرا جدا...جدا منها ما هو بعد نحو ستين عاما على مطاردة بيغن- ومنها ما هو بعد عقد او عقدين او ثلاثة عقود من الزمن، إنما تنطوي اليوم ايضا على أهمية أخلاقية عالية جدا، ذلك انها تحاكم أولا الإرهاب الصهيوني ضد عرب فلسطين بأثر رجعي.

كما تفتح للعالم مجددا ملف ذلك الإرهاب المستمر منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، متوجا بعمليات الاجتياح والاغتيالات والاختطاف الجماعي التي تقوم بها دولة الاحتلال ضد أهلنا في فلسطين.

وتبقى المسألة الأخلاقية الكبرى: من يحاكم الإرهاب والإجرام الصهيوني...؟!

ومتى...؟!

متى يدفعون فاتورة إرهابهم ومجازرهم الجماعية والفردية وبأثر رجعي إلى الإرهابي رقم 1 «حيروتي- بيغن» والى ما قبل ذلك بكثير...؟!

ومتى يدفعون فاتورة الدماء العربية والفلسطينية مركبة تراكمية على مدى العقود الماضية...؟!

كاتب فلسطيني

nawafzaru@yahoo.com