في كتابه «رغباتي قبل كل شيء» من ثلاثيته Trilgoy رجل المال عن حياة الرأسمالي فرانك ألدجيرنون كوبروود كتب الروائي الشيوعي الأميركي تيودور درايزر 1871 - 1945 ان سوء استغلال الأموال العامة أصبح قرحة زماننا، وإذا لن يتم التصدي لهذا الشر بكل حزم فإنه سيحطم نظامنا الاجتماعي في نهاية المطاف. إن الدولة التي يأكلها الفساد تصبح غير قادرة على البقاء، وهي مهددة بالانحلال بعد أول امتحان جدي.

ولا يزال هذا التحذير يكتسب حيويته في أيامنا هذه بعد قرابة قرن من الزمان على كتابته. فالفساد لا يزال ينخر عظام دول كثيرة في العالم متخلفة أو متقدمة أو تلك التي تعيش المراحل الانتقالية. وكالإرهاب أصبح الفساد عالمي الصبغة لا يعرف وطنا ولا قومية ولا دينا.

وكالإرهاب أيضا تتصف به دول كما تتصف به قوى في المجتمع. وكما التيار الكهربائي في الفيزياء كذلك الفساد في المجتمعات يندفع بكل قوته إلى أي مكان في العالم حيث المقاومة الأقل.

ووفق هذه القاعدة تشكل العولمة في طرازها الحالي الحاضنة الأكبر لانتقال عدوى الفساد من الدول المتقدمة إلى الدول الأقل نموا، لكنه يحتاج إلى متلقين له في داخل هذه الدول على مستوى القيادات أو على مستوى إدارات المؤسسات.

وما دامت المجتمعات تضم طبقات اجتماعية متناقضة المصالح تمتلك فيه القوى المسيطرة أدوات إدارة الصراع الاجتماعي لصالحها فإنه يستحيل اجتثاث الفساد من جذوره في أي مجتمع، لكن الحد منه ممكن. وحدوده تضيق بقدر ما تمتد التشريعات والإرادة الكافية لدى القيادة السياسية واستعداد قوى المجتمع المدني لرصد وفضح مظاهر الفساد وإنزال العقوبات الرادعة بالمفسدين.

لكي تتم هزيمة الفساد فلا بد من توافر شرطين أساسيين: أولا، سلطة شفافة تنتقل بالكامل إلى «الحكومة الالكترونية» التي تجعل كل المعلومات المتعلقة بالدولة والمجتمع، فيما عدا ما يتعلق بالأمن والقدرات الدفاعية، متاحة لكل المواطنين، واقتصاد شفاف يجعل المعلومات حول كل الصفقات الاقتصادية المبرمة متاحة وخاضعة للمتابعة والتحقق من نزاهتها.

في السنوات الأخيرة، والأيام الأخيرة خصوصا شكلت مملكة البحرين نموذجا لاختبار صدقية كل ما ذكر أعلاه. فعندما كانت الإرادة السياسية لمحاربة الفساد غائبة في سنوات ما قبل الإصلاح كانت ممارسات الفساد لا تمر بدون محاسبة فحسب، بل ان وجاهة مرتكبيها تعززت بقدر ما كبر حجم الصفقات وتبعا لها «العمولات غير المشروعة».

ولما كان الفساد، كما قال أحد المختصين في محاربته، حاله حال التجارة التي تتطلب وجود بائع ومشتر، فإن الفساد يتطلب وجود عرض وطلب (نشرة واشنطن - http://usinfo.state.gov ، 16 فبراير 2007 ).

وعندما يتوفر الطلب سواء من جانب الشركات الأجنبية أو الحكومات المحلية أو الشركات المحلية الخاصة فإن العرض يجب أن يتوفر من جانب مواطنين يتمون صفقات الفساد لصالح طالبيها ويقبضون ثمن «أتعابهم» تبعا لحجم كل صفقة.

لكن الذي يدفع الثمن الحقيقي هما الدولة والمجتمع. ففي السعودية بعد أن أقر مجلس الوزراء الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد كشف النقاب عن أن خسائر السعودية الناتجة عن الفساد بمختلف أشكاله كانت تصل إلى ثلاثة تريليونات ريال سعودي (الرياض، الثلاثاء 1 ربيع الأول 1428هـ - 20 مارس 2007م - العدد 14148 ).

وفي عام 2004 قدر الاقتصادي البحريني الدكتور خالد عبد الله أن الفساد الإداري والمالي المتفشي كلف البحرين منذ بداية الإصلاح وحتى ذلك الوقت فرصا استثمارية تصل قيمتها إلى ستة مليارات دولار. وكان بإمكان هذه الاستثمارات أن توجد خمسين ألف فرصة عمل جديدة (الوسط، 26 أكتوبر 2004). لكن عمليات الفساد لم تتوقف. ومع ذلك فقد ظلت جرائم الفساد مستمرة.

وفي الأيام الأخيرة أبدى سمو ولي العهد مبادرات مهمة تشجع عمليات الكشف عن مظاهر الفساد ومعاقبة المدانين. وأن ذلك يمكن أن يصل في المستويات العليا من مسؤولي الدولة إلى حد الوزراء. كانت إحدى أهم الخطوات على طريق مكافحة الفساد هو مركز إدارة ممتلكات الدولة في الشركات التي تمتلك فيها أسهما.

فأنشأت شركة ممتلكات البحرين القابضة (ممتلكات) التي أصبحت تمتلك وتدير قرابة 32 شركة أكبرها الشركات التي تملك حكومة البحرين نسبا تزيد على 50% من أسهمها، وهي ألمنيوم البحرين (ألبا) وطيران الخليج والمشاريع السياحية وحلبة البحرين الدولية والبحرين لمطاحن الدقيق والعامة للدواجن.

هذه الشركات وغيرها تخضع الآن من قبل شركات عالمية متخصصة كشركة كرول للتدقيق تباعا بأثر رجعي يمتد إلى خمس سنوات ويطال مرتكبي الفساد حتى ولو أصبحوا خارج الخدمة. وقد كشفت التحقيقات لحد الآن حالات كبرى من الفساد في شركات طيران الخليج وألبا وأسري، وقدم بعض المشتبه بارتكابهم للفساد إلى النيابة العامة والقضاء.

الأهم بين كل الأمور هنا أن يكون دور الدولة حاضرا قبل أن تقع جرائم الفساد هذه، وأن يلعب التدقيق الداخلي دورا حاسما في كشف الفساد. لكن الموظفين العاديين في المؤسسة يكونون في كثير من الأحيان أكثر قدرة على ملاحظة عمليات الفساد ميدانيا. ولهذا فإن إقرار ما يسمى بقانون «حماية الشاهد» يمكن أن يشجع هؤلاء على التبليغ عن المخالفات حال وقوعها دون خوف من رؤساهم في العمل.

محاربة الفساد في زمن العولمة يتطلب مواجهة مصدريه الداخلي والخارجي: الشركات العالمية العملاقة والطابور الخامس من المرتشين المحليين. كانت فضائح الفساد في بعض هذه الشركات تجر تبعات سياسية كبيرة.

بينما لا يجد ذلك صدى محليا كما حدث واعتقل رئيس الوزراء الياباني كوكوي تاناكا في عام 1976 لتلقيه رشوة كبيرة من مجموعة لوكهيد حيث استقال على إثرها. ولم يجد ذلك أي صدى في طيران الخليج التي كانت تتعامل مع هذه الشركة التي دفعت رشوات لعملائها حول العالم.

وقد حالف الحظ شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) في أن تتخلص من الوقوع تحت براثن شركة ألكوا الأميركية العالمية للألمنيوم، وهي التي اعتبرت في التسعينات من أكثر الشركات الأميركية فسادا. ومعروف أن رئيسها السابق بول أونيل غادرها ليصبح وزيرا للخزانة الأميركية في يناير 2001 حاملا معه ملكية أسهم في تلك الشركة بلغت قيمتها 80 مليون دولار.

وبدلا من بيعها كما تقتضي القوانين الأميركية بسعر 35 دولارا فإنه انتظر ليبيعها فيما بعد حيث ارتفعت قيمة السهم إلى 45 دولارا محققا أرباحا تزيد على 22 مليون دولارا. لكن نتيجة ذلك كانت إقالته بعد عامين من توليه الوزارة بتهمة الفساد.

نذكر أيضا بأن شركة «ألكوا» إلى جانب «مجموعة سيتي» كانتا الجهتين المعنيتين بالترويج لاتفاقية التجارة الحرة الثنائية بين البحرين والولايات المتحدة قبل إقرارها. مجموعة سيتي هي الأخرى كانت موصومة بالفساد رسميا في الولايات المتحدة، وبسبب من عمليات الاحتيال طلبت منها اليابان تصفية عدد من مكاتبها في بعض مناطق البلاد قبل سنوات.

الآن تكشف الفضائح أن شركات أميركية ويابانية أخرى تعود من جديد لتعيث في بلادنا فسادا بعد أن تصطاد عددا من ضعاف النفوس. إن مليارات الدولارات التي تخسرها الدولة والمجتمع تتطلب مزيدا من كشف عناصر الفساد في الداخل وإنزال العقوبة الرادعة بهم.

ولكن المطلوب أيضا هو وضع الشركات التي تغري هؤلاء بالفساد على اللائحة السوداء ليمنع التعامل، وهذا أضعف الإيمان إذا لن تتم مقاضاتها.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com