أنا من المؤمنين بأن الأمم التي تتمتع بعقول تدرك قيمة التربية والتعليم وتدعم مساراتها هي الأمم التي سوف تطفو على السطح ليراها العالم ويدرك أهميتها وهي تتقدم إلى مسارات التنمية والتطور بعيداً عن كل المتأخرين.
الحياة بدون تعليم هي حياة في الجهل والظلام ومسرحاً للخرافات الفكرية واستنزاف للعقل البشري في وحل التخلف وهمجية الجهل .
وهذا ما يجعل التعليم من ضرورات الحياة منذ أن وجدت البشرية فالإنسان تعلم على الأرض كيف يحمي نفسه وكيف يعيش ويقي نفسه من الشرور وكيف يستفيد مما حوله من إمكانات ونتيجة لهذا فقد تطورت معارفه إلى أن أدرك الكثير من المخاطر الطبيعية والفكرية التي تحيط به ولكنه بالتعلم يستطيع أن يتقي شرورها ويتجاوز مخاطرها.
من يفقد فرصة التعليم في حياتنا الحديثة فهو عرضة لشرور أكبر من تلك التي عرفها الإنسان في السابق.
الإنسان في عصرنا الحاضر الذي يتميز بالكثير من المعايير والمهارات التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالتعليم هو أكثر حاجة للتعلم من أي وقت مضى فالخطر الذي يحدثه الجهل المعرفي والجهل الفكري والجهل التحليلي والجهل الديني يعتبر مصدراً يهدد البشرية كلها بل يغرقها في فضاء الخرافة والتعصب والمرض بكل أشكاله الاجتماعية والفكرية.
إن فرصة تعليم واحدة يمنحها إنسان لمثله من البشر تعتبر أكبر العطايا بل أجزلها قاطبة في تاريخ البشرية فكل العطايا والمساعدات تنتهي مهما كان حجمها بل وتفقد قيمتها بمجرد الحصول عليها.
ولكن أن تمنح إنساناً فرصة ليرى النور الحقيقي للحياة من خلال التعليم فهذا هو الشيء الوحيد الذي يبقى لهذا الإنسان ويبقي عقله وفكره على قيد الحياة. الإنسان بلا تعليم يمحو أميته وينير له سبل الحياة في مسارات العالم الذي يعش وسطه هو في الحقيقية يحمل فوق جسده عقلاً ميتاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
في حملة «دبي العطاء» التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي والتي تستهدف منح فرصة التعليم لمليون طفل حول العالم في المرحلة الأولى خاصة في آسيا وإفريقيا في أكبر حملة إنسانية عالمية لدعم التعليم في عدد من دول العالم الفقيرة في هذه الحملة، هذه الحملة التي تعبر عن منهجية لا يختلف عليها اثنان من حيث فاعليتها تبرز تلك العقول الناضجة التي بذلت جهودها لإخراج هذه المبادرة إلى النور.
منح التعليم لمليون طفل في العلم سوف يخفف من معاناة هؤلاء الأطفال ويزيح عنهم صخور الجهل ليفتح لهم المسار نحو المعرفة، فالمساهمة في تعليم هذا العدد لن يتوقف عند هذه النقطة فكم من الآثار التي سوف يتركها تعليم مليون طفل حول العالم على أسرهم التي يعيشون بينها الآن وعلى أسرهم عندما يكبرون وينجبون أطفالاً وعلى مجتمعاتهم عندما يصبحون ضمن عجلة التنمية وعلى العالم عندما يتقدم للعيش فيه بشر تحيطهم المعرفة وتكتب مساراتهم.
إننا في عالمنا العربي وفي غيره من المواقع بحاجة ماسة إلى مثل هذه المشروعات التي تبني الإنسان من اجل خدمة الإنسانية بغض النظر عن مرجعية ذلك الإنسان ولونه وهويته.
الإنسانية تصبح أكثر وعياً بذاتها عندما تحارب الجهل ولن يكون ذلك إلا بمثل هذه المبادرات العظيمة التي تتبني صناعة الإنسان وتأهيله ليكون صالحاً للاستخدام العالمي فالجهل والظلام سمات غير صالحة للاستخدام العالمي وتنميته. التعليم هو مفتاح الحياة ولن تتطور الأمم والشعوب إلا بتعليم يضمن لها مسارات مضيئة في حياتها .
ولكن المعضلة التي تواجه العالم في هذا الزمن هي عدم قدرة الكثير من أطفال العالم الحصول ولو على فرصة واحدة لتلقي التعليم وهذا ما يجعل من مثل هذه المبادرة عنوانا مميزا يستحق الإشادة فليست القضية هبة لاتصل إلى الجميع، القضية في هذه المبادرة الرائدة بناء عقل من جديد بل عقول سوف تساهم يوما ما في تطوير هذا العالم وتغيير مساره فمن يعلم فقد يولد من بين مليون طفل سوف تشملهم المرحلة الأولى من هذا المشروع علماء يغيرون شيئاً في العالم أو يمنحون العالم أفكاراً خلاقة تساهم في تطور البشرية.
إن التعليم ليس مجرد فكرة يتم من خلالها تعلم القراءة والكتابة فقط التعليم هو الوسيط الذي لا يمكن أن يستغني عنه الإنسان. التعليم هو الوسيط الذي يجب أن يكون موجودا بين الإنسان والحياة فالإنسان بلا هذا الوسيط السحري لا يستطيع ينجز علاقة مكتملة العناصر مع الحياة بل إن الإنسان بدون تعليم يؤهله لفك رموز الحياة سوف يكون معرّضا للاستخدام السيئ لمعطيات الحياة بل انه سوف يساهم في تراكم معايير الجهل ونشر الخرافة وغياب العقلانية والمنطق التي يجب أن تسير بهما الحياة.
إن هذه المبادرة التي تنطلق من دبي ومن مهندس مسيرتها يجب أن تحظى بدعم الجميع، كما انه يجب علينا ألا نخجل من مشاركتنا في هذه الحملة لأن ما سوف تحققه هذه المبادرة مستقبلا لا يمكن أن يتصوره إنسان فسجن الجهل سوف يفرج عن مليون طفل نحو حرية المعرفة.
الإشادة بهذه المبادرة ودعمها ليست مجاملة لأحد بل هي مهمة إنسانية عظيمة فعندما يساهم الإنسان في نجاة عقول أولئك الأطفال غير القادرين على الالتحاق بالتعليم من جحيم الجهل فهذه قمة الإنسانية بل قمة العطاء البشري فالأضرار التي يخلفها الجهل والظلام على الإنسانية اكبر بكثير من حرب يموت فيها نصف البشر بينما المنافع التي يحققها التعليم على البشرية هو قدرته على إحياء العالم كله من موت تحت براثن الجهل.
إن هذه المبادرة لمنح مليون طفل في العلم فرصة للتعليم لابد من حمايتها ورعايتها فلكي تعيش هذه المبادرة بسلام وتحقق أهدافها فهي بحاجة إلى أن نقف معها بكل صدق فهي ليست مبادرة مؤقتة بل هي مسيرة تطول سنواتها ولكن نتائجها أعظم مما ندركه نحن الآن إنها مبادرة لصناعة العقول وتهيئتها لتعود إلى الحياة من جديد بدلا من أن تغرق في الجهل.
إن منح الإنسان فرصة لتحقيق حلمه بالتعليم لا يعادلها سوى أن تمنح هذا الإنسان حياته إذا كنت قادرا على سلبها ولك أن تتصور كيف تنمح إنسانا حياته بشكل أفضل وطرق أسهل بمجرد أن تمنحه فرصة ليتعلم. الجهل خطر ليس لأنه يعزل الإنسان عن العالم ولكن الجهل مسار منحدر لا يسمح للإنسان بالتوقف فهو ينزل به إلى هاوية سحيقة لا يستطع الخروج منها إلا بمشعل علم ينقذه من الهلاك.
في المقابل فإن التعليم مسار يصعد بالإنسان إلى السماء بشكل دائم مستمر ويمنحه مزيدا من النور ومزيدا من القدرة على رؤية العالم كلما صعد إلى الأعلى، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن العلم والمعرفة لهما قدرة على الانتشار كشعاع الشمس وهذا ما يتوقع أن تحدثه هذه المبادرة بتعليم هذا الكم من الأطفال فهؤلاء بالتأكيد وكما أسلفت سوف يكونون سبباً في إضاءة مسارات متعددة لبيئاتهم وأسرهم ومجتمعاتهم التي يعيشون فيها.
إن الوعي البشري الذي يصل باهتمامه إلى إنقاذ البشرية من الجهل ليعتبر بحق فكراً يستحق الإشادة فبالمعرفة فقط وليس غيرها ينمو الإنسان ويتغير العالم.
كاتب سعودي