قليل من التجارب في العالم النامي كالهند ونيجيريا وجنوب أفريقيا مثلا، وقليل منها في العالم الإسلامي كإندونيسيا وماليزيا وعلى الطريق تركيا، ونادر في العالم العربي كموريتانيا والمغرب واليمن على الطريق، من بدأت السير على الطريق الصحيح لإقامة دولة الديمقراطية السياسية بأشكالها التقليدية وفقا لمرجعيات وثوابت شعبها ..
ومن المؤكد أن المدخل الصحيح يبدأ بوضع الصيغ الملائمة لدستور متوازن وقانون عادل يسود دولة الحريات والمسئوليات والحقوق والواجبات..
ويحل الإشكاليات المفتعلة بين الدين والدولة والدين والحياة، أو بين القومية والدولة الوطنية، التي سببت الأزمات وأصابت بالارتباك والتخبط الكثير من الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي عموما والعربي خصوصا في تعاملها مع هذه المسائل الأساسية بسبب الضغوط الأميركية والأوروبية!
والقدرة على الحل العادل والعاقل لمثل هذه الإشكاليات يعنى النجاح في صياغة معادلة المعادلات التي يتأسس عليها نظام مدني حقيقي لا شكلي، وينبني بها نظام ديمقراطي جامع وغير مانع، في ظل دستور متوازن يعلى من شأن المواطنة الحرة باعتبارها أساس المجتمع الحر، ويرحب بالتنوع السياسي والديني والعرقي.
لا تمييز فيه ولا إقصاء لأي من المواطنين حيث جميع المواطنين فيه شركاء في سلطة وثروة الوطن، وتقوم في ظله دولة المؤسسات التي تصنع القرارات وليس الأفراد ولا الجماعات حين يسود مفهوم دولة العدالة والمساواة الاجتماعية والثقافية والسياسية.. دولة الفصل والتكافؤ بين السلطات دولة الحق والقانون.
أن بعض الدول التي قدمت نموذجا ناجحا للديمقراطية السياسية والممارسة الانتخابية والبرلمانية لم تنجح بقدر مماثل في تقديم حلول ناجعة لمشكلات التخلف الاقتصادي أو العدالة الاجتماعية، وبعض التجارب التي نجحت في تقديم نموذج ناجح في التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، لم تنجح بقدر مماثل في تقديم الحلول الديمقراطية الناجحة في الحقوق السياسية.
وإذا كنا لا نستطيع تجاهل أن محاولات وتجارب البناء المطلوبة بالتوازن والتلازم للديمقراطية السياسية والديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، لا تتم بسبب الكثير من العقبات والضغوطات الخارجية والداخلية، وفى ظل معارك صامتة وضارية أحيانا للحفاظ على الاستقلال الوطني وحرية الإرادة السياسية في ظلال رياح العولمة الرأسمالية الشرسة لتحقيق مصالح الدول الصناعية الكبرى.
فإلى أين وصلت الهند مثلا بتجربتها الديمقراطية السياسية العلمانية في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية؟.. وإلى أين وصلت غيرها بتجربتها الاقتصادية والاجتماعية اللاعلمانية في حل المشاكل العرقية والسياسية؟
لقد بقي جانب من الصورة في كلا التجربتين غائبا أو ناقصا فلا تزال في الهند مشكلة عدالة اقتصادية واجتماعية كبرى رغم ديمقراطية الدولة، ولا تزال في جارتها الباكستان مشكلة عدالة سياسية وقومية كبرى رغم إسلامية الدولة.
لكن الهند مثلا استطاعت التعامل الديمقراطي الحكيم مع حالة التعددية الدينية والتعددية القومية في الهند وحين جمعني أمس الأول لقاء رمضاني مع بعض العلماء المسلمين الهنود قالوا لي لا مشكلة عندهم تتعلق بالحريات الدينية أو السياسية بدليل عشرات النواب المسلمين في البرلمان الهندي وتولى شخصيات مسلمة أعلى المناصب السياسية.
فمتى تنجح الدول الإسلامية والعربية في حل مسائل التعددية الدينية والتعددية السياسية وصياغة العلاقة بين الدين والدولة صياغة ديمقراطية مدنية متوازنة لا تميز أحدا ولا تستبعد أحدا ليكون الدين لله والوطن للجميع.