نشرت «جريدة الوطن» السعودية يوم الثلاثاء السادس من رمضان خبراً يقول إن إماماً لصلاة التراويح في أحد مساجد محافظة «الأسياح» التابعة لمنطقة «القصيم» السعودية أثار جدلاً بين المصلين بسبب استعانته بالتقنية الحديثة في قراءة القرآن الكريم، وذلك من خلال قراءته للآيات الكريمة خلال الصلاة من جواله الخاص بعد أن قام بتحميلها عليه. وعلاوة على الجدل حول صحة عمله شرعاً رأى بعض المصلين أن الإمام كان (يخدعهم) حيث كانوا يعتقدون أنه حافظ للقرآن الكريم.

وقال هؤلاء المصلون إنهم لم يكتشفوا الأمر إلا في الليلة الثالثة من ليالي شهر رمضان المبارك حيث لاحظه أحدهم يكثر من إدخال وإخراج يده من جيبه، مما جعلهم يطالبون بـ «إبعاده» عن المسجد، لأنه كان «يستخف بعقولهم» حسب تعبير أحد المصلين. من جهته قال مدير قسم المساجد بإدارة الأوقاف والمساجد بالمحافظة إن الإمام متبرع لم تعينه إدارة الأوقاف بالمحافظة، حيث إن المسجد حديث وتم الانتهاء من تشييده مؤخراً ولم يتم تعيين إمام له حتى الآن.

إلى هنا يبدو الخبر عادياً يحمل من الطرافة أكثر مما قد يثير من الجدل الفقهي حول الحكم المتعلق بصحة عمل الإمام من الناحية الشرعية، وهو أمر يمكن حسمه ببساطة كما نعتقد لأنه لا يتصل بصلب العقيدة قدر ما يتعلق بالاستعانة بتقنية حديثة من نوع معين في ممارسة إحدى العبادات، وربما لا يبتعد عن القراءة من المصحف التي أجازها أكثر العلماء في صلاة النافلة.

وهي قضية قد تتكرر وتصادفنا في أكثر من موقف، خاصة عندما تطرح في مناسك الحج التي يجد كثير من الناس فيها مشقة ويحتاجون إلى آراء فقهية مستنيرة لحسمها كما حدث في السنوات الأخيرة في مواقع الرجم على سبيل المثال.

الأمر الذي يدعو إلى طرح هذه القضية بشكل موسع يأخذ في الاعتبار تطور وسائل العصر وضرورة مواكبة الأحكام الشرعية لهذه الوسائل والاستفادة منها، ومراعاة ظروف المسلمين الذين تزداد أعدادهم كل عام لأداء هذه الفريضة.

غير العادي ليس في الخبر نفسه الذي أعاد نشره موقع (العربية) نقلاً عن جريدة (الوطن) السعودية، وإنما في تعليقات زوار الموقع التي خرجت عن موضوع الخبر وتحولت إلى سجال طائفي لا علاقة له بالموضوع.

وليس هذا مكانه. فمن بين ما يقارب المئتين وسبعين تعليقاً وردت إلى الموقع حتى ساعة كتابة هذا المقال، تضمن تسعون تعليقاً منها شتائم متبادلة لا علاقة مباشرة لها بالخبر، أطلق شرارتها تعليق غير مسؤول من شخص مجهول كالعادة، لتتوالى الردود عليه ويتم تصعيد الأمر إلى صراع طائفي يخرج مكنون النفوس ويزيد النار اشتعالاً على اشتعال، الأمر الذي يعني أن ثلاثة وثلاثين بالمئة من المعقبين قد خرجوا عن الموضوع وجعلوا الموقع ساحة لمعركة ليس هذا مكانها ولا داعي لها أصلاً بغض النظر عمن أشعل شرارتها ومن أي طائفة كان وإلى أي مذهب انتمى.

ما الذي يمكن أن يحول خبراً عادياً كهذا يحمل من الطرافة أكثر مما يحمل من أي شيء آخر إلى ساحة لتبادل شتائم واتهامات لا علاقة لها بموضوع الخبر، تنال من الأئمة والرموز الدينية وتشوه الصورة التي نعرفها عن ديننا الحنيف؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه الموقف.

هل هو الاحتقان المذهبي الذي يغذي هذه النزعة ويبحث عن أي متنفس يخرج من خلاله ما في نفوس بعض المتعصبين الذين هم آفة الأمة منذ فجر التاريخ ومشعلو الحرائق في كل ناحية منها؟ أم هو الجهل الذي يدفع بالبعض إلى استغلال موقف كهذا للتعريض بالمذاهب وصب المزيد من الزيت على النار المشتعلة التي تذهب كل يوم بمئات الأرواح غير مفرقة بين رجل وامرأة وطفل وشيخ، إلى أي طائفة أو ملة أو دين انتموا؟

أما السؤال الأهم فهو من المستفيد من هذا الذي يحدث؟ هل هي الأمة الإسلامية التي تتمزق علائقها وتتشتت جموعها وتنهد أركانها ويتهدد الخطر كل بقعة من أراضيها بغض النظر عن مذهب أو ملة من يسكن هذه الأراضي، بدعوى تهديد مصالح الدول الكبرى تارة، وتهديد دول الجوار تارة أخرى، وتهديد الأمن والسلام الدوليين عندما تنتفي كل الحجج ولا يجد المتكالبون عليها سبباً ولا حجة لهيجانهم وعدوانيتهم؟

أم هم أولئك المتعصبون الذين لا يرون أبعد من أنوفهم وهم يزجون بأتباعهم في عمليات انتحارية لا تفرق بين مسلم - من أي مذهب كان - وغير مسلم - إلى أي دين انتمى - ولا مذنب وبرئ حسب تصنيفهم الذي لا يعترف به سواهم؟ أم هم أولئك الطامحون إلى إعادة مجد إمبراطوريات بائدة تجاوزها الزمن وأصبحت جزءاً من التاريخ يمكن العودة إليه في الكتب فقط ولا يمكن إعادة الروح إليه أو استنساخه بأي شكل من الأشكال؟

خطأ إمام مسجد «الأسياح» - إذا جاز لنا أن نعتبره خطأ - يمكن معالجته، وإن كانت تبعته لن تتجاوز عدداً محدوداً من المصلين الذين أَمَّهم في تلك الليالي الثلاث، مع افتراض حسن نية الإمام وسوء تقديره لردة فعل المصلين التي نعتقد أن بعضهم قد بالغ فيها.

ولكن من الذي يستطيع معالجة الأخطاء التي يرتكبها البعض في حق أمة بكاملها وهو يشعل نيران الفتنة بين أتباعها، ومن يتحمل تبعاتها؟ وهل يترك مثل هؤلاء المغرضون أي مجال لافتراض حسن النية لديهم وهم يجوبون المواقع الإلكترونية بحثاً عن ساحة معركةٍ الكلُّ فيها خاسر عدا أعداء الأمة الذين تسعدهم خلافاتنا وتخدم أهدافهم؟

ثمة أسئلة كثيرة تطرح نفسها عن الفائدة التي تجنيها الأمة من تعدد ساحات هذه المعارك التي أصبحت الظاهرة الأبرز على مواقع الإنترنت، المتخصص منها في إشعال هذه المعارك وغير المتخصص، كأنه لم يعد ينقصنا إلا هذه المهاترات التي يدلي بدلوه فيها كل جاهل وحاقد ومغرض يحيط نفسه بسياج المذهب الذي ينتمي إليه ملغياً الآخر ومسفهاً رأيه. ولعمري إن هذا هو قمة الجهل، لأن العقلاء يعلمون جيداً أنه لا مصلحة لأحد في كل هذا الذي يحدث. ولكن أين هم هؤلاء العقلاء في هذا الزمن المجنون الذي لم يعد فيه مكان للعقل والحكمة والبصيرة؟

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com