كالعادة مثل هذا الوقت من كل سنة، تنشط الدبلوماسية الدولية بصورة ملحوظة، على هامش الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة. المنظمة الدولية تساهم، بشخص أمينها العام ووكالاتها، بشكل بارز في هذا الحراك.
هذه المرة دار تحركها حول عقد المؤتمرات الدولية المصغرة، الخاصة بالبؤر المتفجرة؛ خاصة في الشرق الأوسط الأيام القليلة الأخيرة شهدت حشداً من هذه المؤتمرات في نيويورك.
لكن بقدر ما كانت هذه اللقاءات وفيرة، بقدر ما كانت الغلة شحيحة. أحد الأسباب الرئيسية لهذا الشح يعود إلى ضمور الدور المفترض ان تقوم به المنظمة الدولية؛ بحكم انها وجدت أصلاً لتتولى فض النزاعات الدولية بالطرق السلمية هذه المهمة المنوطة بها، تآكلت، في السابق؛ عندما عطلها، إلى حد بعيد، الكبار. واليوم هي شبه مشلولة ومعطلة، بفعل الاستئثار.
أحد هذه المؤتمرات اختص بالعراق وإعماره. انعقد أول أمس في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، على المستوى الوزاري. استعرض جوانب مختلفة؛ من الوضع الداخلي إلى الإعمار، مروراً بالحوار الإقليمي حول هذا الملف. وتوقف أمام كيفية تفعيل القرار 1770 المتخذ في أغسطس الماضي والخاص بمنح دور أكبر للأمم المتحدة. لكنه دور تسهيلي وانساني وليس تقريريا. مع ذلك انتهى الأمر إلى نوع التأجيل ووضعه على الرف؛ بحجة ان الوضع الأمني الآن لا يسمح بذلك!
مؤتمر آخر انعقد، برئاسة الأمين العام بان كي مون على مستوى مجموعة الاتصال الدولية حول دارفور». فشل، هو الآخر، في التوصل إلى اتفاق، بشأن تركيب قوة حفظ السلام المشتركة؛ المتوقع نشرها في الإقليم. الأمم المتحدة كانت، من البداية، حاضرة في ملف هذا الصراع. لكنه كان حضوراً باهتاً نسبياً؛ بسبب الأدوار الدولية الأخرى وما أثارته من هواجس وتعقيدات.
كذلك الأمر، كان حال الاجتماع الذي عقدته اللجنة الرباعية الخاصة بقضية الشرق الأوسط. استمعت إلى تقرير من ممثلها الخاص توني بلير؛ كما إلى تقرير من وزيرة الخارجية الأميركية رايس، حول زيارتها الأخيرة إلى المنطقة. المشكلة ان هذه اللجنة، التي تضم الأمم المتحدة، ان تقاريرها صارت لا تحصى، لكن فعاليتها لا تذكر ولا اثر لها.
إسرائيل تملي شروطها وأجندتها ـ مثلاً في اجتماع نيويورك أمس الأول لم تسمح بمشاركة فلسطينية فيها، بل فرضت استبعاد فلسطين ولبنان من مأدبة افطار دعا إليها الأمين العام مون، اللجنة الرباعية، تعطيل يفرضه الاستئثار الإسرائيلي الأميركي.
وهو قد يطيح بمؤتمر السلام الموعود في نوفمبر المقبل؛ لأن حكومة أولمرت، مع واشنطن، ترفض ان يكون هذا اللقاء الدولي ـ العربي الموسع؛ مختلفاً عما سبقه من مؤتمرات ولقاءات وقمم، كانت حصيلتها لا شيء، غير تأمين المزيد من كسب الوقت والمماطلة التي تجيدها إسرائيل باسم السعي إلى السلام. تريده فقط للبحث في «المبادئ» التي يمكن التوافق عليها «كأساس» للتفاوض الإسرائيلي الفلسطيني، معزوفة قديمة ملت الأذن سماعها.
في كل هذه المؤتمرات كان صوت الأمم المتحدة خافتاً، في أحسن أحواله، هو محجوب أو مقزم، بفعل الهيمنة أو الاستقواء ـ في الحالة الإسرائيلية ـ بالقطب الأوحد، من البداية تم استبعاده من العراق، بل حصل القفز على الأمم المتحدة ذاتها، كما هو مهمش في اللجنة الرباعية، وثمة من دعا مؤخراً، في المنظمة الدولية، لانسحابها من الرباعية والمؤذي هنا هو ان المزيد من التهميش للأمم المتحدة لابد وان يؤدي إلى المزيد من القضم في دورها وصدقيتها، بل في مدى الحاجة إليها أصلاً بوضعها الحالي.
