العباقرة هم من يصنعون التاريخ، والدلالات كثيرة، أي أن أمة ما يستطيع قائد فذ أن يكوّن وحدتها ويرسم خطوط مسارها، والملك عبدالعزيز حين تجاوز زمنه في وضع خارطة لوطن مأمول لم يكن ليحلم، وإنما صاغ إرادته على بناء ما يعتبر مستحيلاً وصعباً، ومسألة تجاوز الزمن بظروفه الصعبة، جعل التحدي قيمة عليا بذاتها، وهنا بدأت الخطة والتنفيذ مترسماً تاريخ آبائه وأجداده، مع مراعاة ظرف زمني متغير بجدلياته وقواه، ومعالمه المختلفة.
هناك عدة أجيال محظوظة، الذين شاركوا موحد هذا الوطن مسيرة البطولات الكبيرة حين شهدوا ولادة الوطن الكبير، وكانوا النواة لتأسيس الدولة بمشروعاتها المتواضعة، ولكنها المؤسسة لمستقبل كبير، والجيل الثاني الذي تعهده الراحل الكبير بأن يضعه نواة لبناء الدولة حين اتجه للتعليم والبعوث الخارجية، والاستفادة من كفاءات مختلفة مزجت تجارب الدول بالدولة الوليدة، فكان الجامعي والمتعلم بالمدارس الثانوية والمتوسطة، والذين كانوا البدايات الحقيقية لنشوء مؤسسات الدولة الحديثة بكوادرها، وهياكلها التنظيمية والبشرية، والتربوية، التي هي حجر الزاوية في هذه النهضة.
أما الجيل الثالث فهو الذي شهد مراحل النمو المتسارعة في تشييد المدن والجامعات والطرق، وكل ما يمت إلى البنية الأساسية التي قامت عليها صورتنا الراهنة، ولم تأت هذه المراحل وأجيالها بدون معاناة، وصعود وهبوط في منطقة العواصف الحادة، ولكن الاعتدال في السياسة وزنة الخطوات بما لا يدفعنا إلى الانزلاق بأي اتجاه خطر، كان السبب في إدارة الدولة لشؤونها بحذر ولكن دون خوف، ووسطية بعيدة عن التهور والانسياق مع الانفعالات.
وحين نترجم تلك المسيرة، ونرى الفواصل الزمنية، نشعر أن الجوانب المضيئة أكثر اتساعاً من المعتمة، أو الرمادية، لكن الأمور لا تسيّر بالعواطف، لأن المسؤولية الوطنية سواء من خلال ذكريات هذا اليوم، وتحولاته العظيمة، أو ما نضعه في موازين الاحتمالات، يفرض أن نكون على قدر دائم في إشادة مشروعنا الوطني بالكفاءة المطلوبة ذاتياً، وأن لا نغرق في التشاؤم، أو نضع التفاؤل المطلق كصور حقيقية في معادلة الظرف الاقليمي والدولي.
فإذا كان البناء مهمة صعبة، تحتاج إلى الإخلاص، ورفع سقف الوطنية من الحد الصغير الذي لا نرى فيه الوطن والسلطة، إلا عطاء دون أخذ، إلى التمازج والتضحيات الكبرى وخاصة في مجالات الأمن، والأداء المميز في أمانة العمل وإدراك أننا في ذات القارب نعبر كل البحار بمجاديفنا الخاصة.
لقد مرّت المملكة بظروف مختلفة، ولكنها بقيت أمينة على مبادئها، لأن مدرسة الراحل العظيم أسست هذه المثل وجعلتها خط السير الطويل في الممرات الصعبة، ويكفي أننا بمواردنا الضئيلة والمتقشفة لم نسع أن نكون عالة على غيرنا، وفي أحوالنا الممتازة لم نكن البخلاء الذين يمنون على إخوتهم وأصدقائهم، ومن يرتبطون معنا بالعقيدة الواحدة، ان كنا خارج المسؤوليات الأخلاقية بدفع المعونات، وخلق بيئات مصالحة، واعتبار الواجب ثابتاً في اتجاهاتنا السياسية.
الملك عبدالله، امتداد لذلك الرحم الذي أنجب الرجال، وكان وريث الأخلاقية العربية بحقائقها وصدقها، ولم يكن مستغرباً أن يكون الضياء في زمن العتمة العربية والإسلامية، لأن المعدن الأصيل الذي لا يصدأ كان أساسه ومنبته، ومن هنا ولد التاريخ المتسلسل لهذا الوطن العظيم.
