الغرب غرب والشرق شرق، ليست مقولة عاطفية، بقدر كونها ترجمة لتجارب الأيام وخبرات السنين في العلاقات الملتبسة حينا والملتهبة أحيانا، وها هو الغرب يستبدل لاعبا بلاعب في رقعة الشطرنج الدولية عندما تستدعي الأمور تغيير الأحصنة والاعتماد على أفيال جديدة.

فقد رسى العطاء على بريطانيا لتكون السند والمعين للولايات المتحدة وهي تحزم العتاد وتربط الخوذات الفولاذية استعدادا لاحتلال العراق، واختارت فرنسا لعب دور المعارض أو المنشط لإضفاء الإثارة على المشهد ،لإلهاء بعض المتفرجين الذين نسوا مقولة إن الغرب غرب لا فرق بين عاصمة وأخرى عندما تبرز المصالح المشتركة ويكون الكل في المكسب متقاسمون.

الآن وبعد أن تجرع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير مرارة الكأس التي تناولها مع حليفه الاستراتيجي جورج بوش، فترجل عن الركب واثر الابتعاد عن صناعة القرار، برز الاحتياج إلى حليف جديد مع قرع طبول الحرب ضد إيران.

هنا تقدمت فرنسا التي أبدت معارضة لغزو العراق لتكون الوجه القبيح في لعبة الحرب، وعلى عكس الدبلوماسية الناعمة التي تحلت بها لسنوات طويلة، خرج وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير عن الخط لممارسة دور الناطق الرسمي باسم التحالف القادم، محرضا وملوحا بضرب إيران في تصريحات كشفت الغطاء عن الوجه الحقيقي للعبة المصالح الغربية التي لا تعرف التجميل في الأوقات الفارقة.

ولان تصريحات كوشنير بدت سافرة ولا تعرف التمويه، انزعجت بعض الدوائر الغربية من صراحتها غير المعهودة، وذرا للرماد في العيون خرجت ردود الفعل الغاضبة افتعالا من هذه العاصمة الغربية أو تلك، وجرى الحديث عن ضرورة الاستمرار في الجهود الدبلوماسية لحل أزمة الملف النووي الإيراني.

حتى الأميركيون الذين استفادوا من تهديدات كوشنير المباشرة لإيران، حاولوا إظهار بعض العقلانية، وأكدوا على أن الحل الدبلوماسي مازال مطروحا على الطاولة جنبا إلى جنب لغة الحرب والتهديد بالقوة،استمرارا للعبة توزيع الأدوار التي يبرز في كل مرحلة لاعبوها وإن اختلفت الأسماء، أو تعددت الانتماءات الجغرافية لهذه الدولة أو تلك.

فرنسا التي تبدو متحمسة للشريك الأميركي في الملف الإيراني، هي نفسها التي شاركت البريطانيين والإسرائيليين في العدوان على مصر، لكنها الذاكرة المثقوبة التي تجعلنا نتحمس لمواقفها الايجابية في بعض الأحيان رغم إدراكنا للفروق السياسية بين عهد ساركوزي، وأيام جاك شيراك.فساكن قصر الإليزية الآن من اشد المتحمسين إن لم يكن المتماهين في النموذج الأميركي بقيادة المحافظين الجدد.

من هنا ليس غريبا أن تأتي تصريحات كوشنير ضد إيران على هذا النحو العنيف ،فرجل يريد الانغماس في لعبة الحرب، التي فاتت بلاده مع العراق، فلا بأس أن تكون المشاركة مع إيران، إثباتا مبكرا للعبة الولاء للبيت الأبيض، والتأكيد على أن الحليف الفرنسي أكثر المؤهلين لوراثة الصديق البريطاني.

والمؤكد أن واشنطن سعيدة بهذا الدور الجديد لفرنسا، لإثبات قدرتها على جذب الحلفاء إلى لعبة الحرب حتى وان اتسع مأزقها في العراق رغم المحاولة التجميلية التي سعى تقرير قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس والسفير الأميركي ريان كروكر، للوضع المتدهور هناك، بعد أن شكل اغتيال زعيم مجلس صحوة الانبار عبد الستار ابو ريشة، دليلا على زيف الدعاوى عن التحسن خاصة في الانبار.

قرع طبول الحرب على إيران لن يخفي حقيقة المأزق في العراق، ولا يمكن أن يداري حالة التخبط التي تعيشها الإدارة الاميركية، بعد فشل استراتيجية بوش، التي خاض حربا ضروسا مع الكونغرس الديمقراطي من اجل الصبر عليها عل وعسى تجلب النصر المفقود.

الذهاب بعيدا في اللعبة الخشنة ،على غرار ما حصل مع العراق، سيكون له أسوأ العواقب ليس على إيران فحسب ولا على إدارة أميركية يبدو إنها أدمنت الفشل، بل على المنطقة التي لم تعد في حاجة ولا القدرة على تحمل المزيد من المغامرات من هذا الطرف أو ذاك.