المشهد الباكستاني من واشنطن يبدو كما يلي: غليان شعبي متصاعد ضد رئيس عسكري تعتمد عليه الولايات المتحدة في قمع تنظيمات إسلامية راديكالية متحالفة مع جماعة طالبان الأفغانية في الجوار الجغرافي.
واشنطن حائرة. فهي إذ تثق في الجنرال مشرف كحليف محلي يكرس إمكانات المؤسسة العسكرية الباكستانية لاحتياجات «الحرب ضد الإرهاب الإسلامي» في باكستان وأفغانستان، فإنها في الوقت نفسه تدرك ان الجنرال لا يستند إلى قاعدة شعبية منظمة وأن سيطرته على الأمور باتت في حال عد تنازلي مع تصاعد خطورة الغليان الشعبي ضده، فما العمل؟
وبكلمات أخرى: كيف يمكن تدعيم سلطة الجنرال شعبياً بما يجعله في وضع أفضل لمواصلة الحرب المحلية والإقليمية ضد الإرهاب.
آخر ما توصلت إليه إدارة بوش هو إيجاد معادل تحالفية بين الجنرال مشرف «وحزب الشعب الباكستاني» بزعامة السيدة بنازير بوتو التي تعيش في المنفى. لكن رغم ان بوتو تعتنق توجها غربيا معادياً لحركة المد الإسلامي فان الإدارة الأميركية اكتشفت ان وضع صفقة تحالفية بين الجنرال والسيدة بوتو ليست بالسهولة التي تتصورها واشنطن.
ذلك ان للسيدة بوتو شروطاً حازمة في مقدمتها أن يتنازل الرئيس مشرف عن بعض سلطاته لصالح «حزب الشعب» وأن يجرى تعديل دستوري تحذف أو تعدل بموجبه المادة التي تخول رئيس الجمهورية إقالة رئيس الوزراء ـ ذلك المنصب الذي سيكون من نصيب حزب السيدة بوتو في حال إبرام الصفقة.
كما تتضمن الشروط إجراء انتخابات على أن يدخل الجنرال المنافسة الانتخابية وقد تخلى عن منصبه كقائد للجيش، بينما في المقابل يتعهد حزب الشعب بتأييده في المعركة الانتخابية لضمان فوزه.
الرئيس مشرف يرفض شروط السيدة بوتو. وسبب حيرة الإدارة الأميركية هو إذن انه بالرغم من أنها تفضل الجنرال مشرف فإنها تحتاج الشخصيتين معا. لكن ليست هذه المعضلة الوحيدة التي تواجهها إدارة بوش. فالرئيس مشرف يواجه تحديات قضائية دستورية.
لقد أعلن مشرف قراراً يقضي بإجراء الانتخابات الرئاسية في 6 أكتوبر وأنه لن يتخلى عن منصب القائد العام للجيش قبل ذلك الموعد، هنا تبرز عقبة قضائية. فالمحكمة العليا ستتخذ خلال الأيام القلائل المقبلة قراراً في شأن طعون تقدمت بها المعارضة على أساس أن الدستور يفرض على الرئيس التخلي عن قيادة الجيش قبل الترشح للرئاسة (وليس بعد الانتخابات ـ أي بعد أن يضمن الفوز)، فكيف يتصرف مشرف إذا حكمت المحكمة العليا لغير صالحه؟
أغلب الظن انه بتشجيع أميركي سوف يلغي الانتخابات ويلجأ إلى إعلان حالة طوارئ، وفي هذه الحالة فان من المؤكد أن تحدث ردتا فعل: تصاعد الغليان الشعبي إلى مستويات أشد خطورة من ناحية وارتفاع حدة التذمر داخل المؤسسة العسكرية خاصة بين صفوف صغار الضباط، فالجيش ضاق ذرعاً من مواصلة حرب أهلية تحت اسم «الحرب على الإرهاب».