ماذا يحصل في بلجيكا التي تعيش أزمة صامتة مرشحة للتفاقم منذ الانتخابات التشريعية التي جرت في العاشر من يونيو الماضي والفشل منذ ذلك الحين في محاولة تشكيل حكومة فدرالية جديدة. أزمة سياسية دستورية في ظاهرها ولكنها أزمة «وطنية» في مضمونها: أزمة هويات متصارعة.

الفلامند ذات الثقافة واللغة الهولندية يريدون تعميق الفدرالية والذهاب ابعد مما هي عليه اليوم والسماح للمقاطعات أو الأقاليم بزيادة صلاحياتها ضمن مفهوم متقدم للحكم الذاتي ليطال جزءا من شؤون الضمان الاجتماعي وسياسة التشغيل وشؤون العدل وحتى المجال الفيدرالي الأساسي وهو مجال الحصول على الجنسية.

الوالون ذات الثقافة واللغة الفرنسية أو تحديدا الفرنكوفونيين يقولون إن هذا المطلب يخفي نوعا من الكونفدرالية المقنعة أو بداية الانفصال الملطف ويرفضونه بشدة. صراع قوميتين انفجر بعد رحلة «زواجهما» البلجيكي التي بدأت عام 1830 وعاشا في دولة مستقلة ذات حياد مضمون منذ عام 1839 ولو أن العيش المشترك شهد فترات من التعايش الصعب أو غير السهل.

فيما ينظر العالم وأوروبا بشكل خاص إلى أزمة استقلال كوسوفو ومصاعب وتحديات ولادة الاستقلال الكوسوفي والمخاطر التي قد ترافقه بسبب موقع كوسوفو في الجغرافيا الاستراتيجية الأوروبية وتأثير هذا الموقع على التوازنات الكبرى في القارة الأوروبية فان الأزمة البلجيكية تبدو وكأنها أزمة منسية أو هامشية وذات دينامية داخلية دون أن يعني ذلك أن الانفصال فيما لو حصل لن يكون ذات تداعيات على البيت الأوروبي خاصة انه سيحصل في الحالة هذه في قلب هذا البيت وعاصمته.

ملاحظتان لا بد منهما: أولا تشكل الدول المتقدمة عادة نموذجا في الدولة الوطنية يتطلع إليه الجميع باعتبار أنها الدولة التي استكملت عملية بناء شرعيتها الوطنية والمؤسسية بنجاح واستقرت كمعطى ثابت لذلك مثلت دائما النموذج الجذاب للدول في العالم النامي التي تعيش حازمة بناء شرعيتها الوطنية .

كما شكلت النموذج أيضا للقوى السياسية والاجتماعية المختلفة التي تتطلع لبناء الدولة الوطنية باعتبار أن عملية بناء الشرعية الوطنية أو الفشل في ذلك في الدول النامية يخلق أزمات مكلفة بالدماء والدمار في حالات كثيرة لكن يبدو انه حتى النماذج المستقرة عبر الزمان والمتقدمة في اقتصادها واجتماعها تبقى هي أيضا عرضة للمراجعة ولأزمات الهوية ولو أن هذه الأزمات لا تأخذ الشكل العنفي والدراماتيكي من حيث تطورها كالأزمات التي تعيشها الدول النامية.

وثانيا، عادة ما تكون الأقلية التي تعاني من قمع الهوية أو طمسها ومن التهميش الاقتصادي والسياسي والثقافي هي التي تتحرك مطالبة بالانفصال ولكن في الحالة البلجيكية فان الأكثرية الفلامندية التي تشكل حوالي 60% من السكان وهي الأغنى هي التي تريد التخلص بشكل أو بآخر مما تعتبره التكاليف الباهظة التي تتحملها بسبب استمرار العقد القائم بين الطرفين .

والذي يشكل الأساس المادي الدستوري للدولة البلجيكية.صحيح أن المنطقة الوالونية منطقة نامية نسبيا ولكنها حققت تقدما في السنوات الأخيرة ونموا واضحا فيما يتعلق بخلق فرص العمل ولكن يبقى مستوى البطالة بحدود 12% في المناطق الوالونية مقابل 5% في مناطق الفلامند وتساهم المناطق الوالونية بحوالي 23% من الناتج الداخلي الخام فيما تساهم مناطق الفلامند بحوالي 57% وتساهم منطقة بروكسل العاصمة .

وهي منطقة فرانكوفونية أساسا بحوالي 20% وتحتسب الأطراف الفلامندية المتطلعة إلى الانفصال أو إلى صياغة عقد جديد مع شركائها في الوطن التكلفة المالية للضمان الاجتماعي التي يدفعها الفلامند لمصلحة الوالون بحدود 8 إلى 10 مليارات يورو سنويا. ويكفي إظهار هذا المبلغ لتحريك المشاعر عند الفلامند وللتحريض نحو إعادة صياغة عقد جديد في بلجيكا يحررهم من هذه الالتزامات.

تعيش إذن بلجيكا لحظة تاريخية تضعها على مفترق طرق بين خيارين يبدو انه لا ثالث لهما: خيار الطلاق بين المكونين الرئيسيين للدولة وخيار صياغة عقد جديد يحمل ردودا وحلولا للوضع الذي يرفضه الفلامند.

ولكن هنالك مفارقة أوروبية ذات بعدين قد تشجع على الذهاب نحو الطلاق البلجيكي و«اختفاء» الدولة التي هي عاصمة الاتحاد الأوروبي: البعد الأول في هذه المفارقة أن طبيعة الاتحاد الأوروبي التي تشجع على تطوير اللامركزية والتعاون اللامركزي ودور المناطق والأقاليم في إطار البيت الأوروبي قد تدفع بهذا الاتجاه فيما يتعلق بالفلامند والبعد الثاني أن الدول الصغيرة .

وفي حالة الدولتين اللتين ستولدان من الانفصال البلجيكي لن تكون لهما مشاكل أو تحديات مستعصية الحل بسبب صغرهما النسبي في أن يحتضنهما الاتحاد الأوروبي وتنشطا ضمنه مستفيدتان من حالات الدول الصغيرة التي يضمها الاتحاد ويشكل شبكة أمان وضمانة لها.

هذه هي المفارقة الأوروبية ثنائية الأبعاد التي تشجع على المضي في عملية «الطلاق» البلجيكي والتي قد تشجع فيما لو نجحت لاحقا مناطق أو أقاليم أخرى في دول أوروبية مثل اللمباردي في ايطاليا والكاتالونيا في اسبانيا واسكتلندا في بريطانيا قد تشجع بعض التيارات الانفصالية في هذه الأقاليم للبحث عن «النموذج البلجيكي» كعنوان لتحركها.

ويبقى السؤال قائما هل ينجح طرفا الدولة البلجيكية في إنقاذ بلجيكا من خلال بلورة عقد وطني اجتماعي جديد وهي عملية ليست بالسهلة ومليئة بالتحديات والحواجز أم أن الطلاق سيحدث بشكل حضاري وسلمي مقتبسا النموذج التشيكوسلوفاكي. ويبقى السؤال قائما حول الدور الذي ستحتله بروكسيل الكوسموبوليتية الفرنكوفونية الأوروبية الأطلسية فهل تكون ذات وضع خاص أم تكون صلة الوصل والقاسم المشترك بين الدولتين الجديدتين.