الإعلان عن بدء حوار بين القاهرة وطهران في هذا التوقيت أمر بالغ الأهمية، حتى ولو كان الحوار سيبدأ على مستوى أقل من المطلوب لمواجهة التحديدات التي تعصف بالمنطقة، المهم أن يبدأ الحوار، وأن يستمر ويتواصل، وأن تكون هناك رغبة حقيقية من الطرفين في إنجاحه.
التجارب السابقة في هذا المجال قد تكون غير مشجعة، فقد كانت اللقاءات التي تمت ـ وبعضها على مستوى القمة ـ تعطي آمالاً كبيرة في التوصل إلى تفاهمات حول القضايا المعلقة، ولكن هذه الآمال كانت سرعان ما تتبدد سواء بفعل استمرار الشكوك، أو بنجاح قوى خارجية في قطع الطريق على تصالح هو بالتأكيد ليس في مصلحة هذه القوى الطامعة إلى بسط سيطرتها على المنطقة والساعية لحرب طائفية تحقق ما تريده هذه القوى بأن تكون مأساة العراق هي النموذج الذي يجري تعميمه على المنطقة.
والإعلان اليوم عن الحوار المصري ـ الإيراني من اجل استعادة العلاقات الطبيعية بين العاصمتين الهامتين يأتي في ظروف بالغة التعقيد، ووسط أخطار تهدد المنطقة كلها بكارثة حقيقية.
فمن ناحية يبدو الصراع في دائرة صنع القرار الأميركي محتدماً بين اتجاه لشن الحرب على إيران بحجة تدمير مشروعها النووي وبتحريض يتصاعد من اللوبي الصهيوني، وبين اتجاه يدعو لمواصلة العمل بالضغوط السياسية والحصار الاقتصادي وتشديد العقوبات على إيران لردعها.
ومن ناحية ثانية تواصل واشنطن جهودها من أجل تشكيل تحالف عربي تصفه بالاعتدال لإبعاد سوريا عنه، ولكي يكون هذا التحالف في مواجهة مع الخطر «الشيعي» الذي تمثله إيران خاصة على منطقة الخليج، وتبدو المحاولات الأميركية لتهدئة الموقف على الجبهة الفلسطينية وطرح اقتراح المؤتمر (أو الاجتماع) الدولي كخطوة في هذا الاتجاه.
حيث يترافق ذلك مع جهود أساسية لفرض التطبيع مع إسرائيل، ولتصوير الأمر على أن الخطر الأكبر على العرب لا يأتي من إسرائيل وإنما من إيران. بل وتتبجح إسرائيل بالحديث عن تحالف «المعتدلين» الذي يضمها مع الدول العربية في الخليج ومصر والأردن في مواجهة محور الشر الذي تمثله إيران و.. سوريا!!
ومن ناحية ثالثة كانت إيران هي المستفيد الأكبر من حماقة السياسة الأميركية في المنطقة التي أزاحت القوى المعادية لها في أفغانستان، ثم ارتكبت جريمة تفكيك الدولة العراقية بعد احتلالها وتحويلها إلى ساحة لصراعات الطائفية وفتح المجال واسعاً ليتمدد النفوذ الإيراني في العراق الذي كان عامل توازن في مقابل إيران وتركيا.
ومن ناحية رابعة لعبت طهران أوراقها ببراعة، واستفادت كل الاستفادة من فشل أميركا في العراق وفي المنطقة، وأيضا من غياب عربي وانشغال الأنظمة الأساسية العربية بهمومها الداخلية بعد هجوم أميركي ترافق مع غزو العراق ليبشر أن الديمقراطية سيتم تعميمها في العالم العربي بقرار من واشنطن التي أعلنت أنها «اكتشفت» أن سياستها في المنطقة طوال ستين عاما كانت خاطئة لأنها غلّبت عامل الاستقرار على كل شيء وانحازت للأنظمة ولم تدفع في طريق الديمقراطية.
وهو «اكتشاف» لم يدم طويلاً، فقد عادت السياسة الأميركية إلى ما كانت عليه بعد الفشل في العراق وتوارت أحاديث واشنطن عن الديمقراطية التي لم تكن جادة فيها بالطبع لأنها تعرف أن الديمقراطية لا تفرض في المنطقة بقرار من الكونغرس، ولأنها تدرك أن النموذج «الديمقراطي» الذي قدمته في العراق لا يمكن أن يكون مثلاً تقدمه لشعوب المنطقة.
ومن ناحية خامسة كانت النتيجة الطبيعية للفشل الأميركي والغياب العربي أن أصبحت إيران لاعباً أساسياً في قضايا عربية عديدة.. وإذا كانت الآن تجلس للتفاوض مع أميركا على مستقبل العراق، فهي في نفس الوقت تتفاوض مع فرنسا حول الأزمة اللبنانية، وهي ـ مع استمرار الحصار على حماس وتصاعد الأزمة الفلسطينية الداخلية ـ دخلت بقوة على الخط ولتمد شبكة تحالفاتها من البصرة حتى حدود مصر في قطاع غزة المحتل.
ومن ناحية سادسة لا تبدو العلاقات بين القاهرة وواشنطن في أفضل حالاتها. وخلال الشهور القليلة الماضية توالت المؤشرات على ذلك.. فمن التلويح بخفض المعونة الأميركية ثم التراجع عن ذلك بعد إيصال الرسالة المطلوبة، إلى اتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، إلى تعمد إيصال رسالة أخرى عبر الحوار بين الرئيس بوش وسعد الدين إبراهيم رئيس أحد مراكز حقوق الإنسان المصرية .
والذي جرى تضخيمه إعلاميا، إلى توجيه الاتهام مؤخراً للسفير الأميركي بالقاهرة بأنه وراء شائعة تدهور الحالة الصحية للرئيس مبارك، إلى تقرير الحالة الدينية للخارجية الأميركية الذي يتحدث عن اضطهاد ديني في مصر ويضعها في مقدمة الدول في هذا المجال، وهو أمر لا يتطابق في الحقيقة مع الواقع الذي تعرفه واشنطن جيداً..
نعم هناك مشاكل في هذا المجال ولكن ليست هناك ظاهرة للاضطهاد الديني بهذا الشكل الذي يشير إليه التقرير.. فالعلاقة بين النظام والأخوان المسلمين تدخل في دائرة الصراع السياسي لا الديني، والمشاكل بين المسلمين والأقباط لا تتم في إطار سياسة للدولة تتبنى الاضطهاد الديني، ولكنها تنشأ من تنامي التيارات المتطرفة في الجانبين في بيئة تزداد فيها المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
أما باقي المشاكل المتعلقة بالطوائف الصغيرة مثل البهائيين فيجري التعامل معها من اجل إيجاد حلول لبضعة آلاف تنحصر شكواهم في معظم الأحيان من عدم حصولهم على أوراق هوية رسمية تثبت هويتهم ك«بهائيين» وهو أمر سيتم حله قريباً، ولكنه لا يمثل ظاهرة للاضطهاد الديني تضع مصر في مقدمة الدول الذي تمارسه كما يقول تقرير الخارجية الأميركية الذي يبدي الكثير من التسامح مع أبشع نظام نازي عنصري معاصر في إسرائيل!!
المهم انه رغم تكرار الحديث عن علاقات (إستراتيجية) بين القاهرة وواشنطن، فإن هذا لا يخفي خلافات أساسية في السياسات الخاصة بالمنطقة. فالقاهرة تتصرف بالنسبة للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية أمن وطني، وهي لا تستطيع ترك قطاع غزة يتحول إلى قنبلة موقوتة في ظهرها، ولا أن تشارك في بيع الوهم من خلال مؤتمر لا يناقش القضايا الأساسية الفلسطينية ويكتفي بالتقاط الصور التذكارية التي تشير إلى انضمام أعضاء جدد في مسيرة التطبيع.
وتقدم غطاءً عربياً للفشل الأميركي في العراق، والقاهرة ترفض الاتجاه لأي تورط عسكري عربي في العراق لان هذا سيزيد المشكلة تعقيداً ويفتح الباب لحرب تتجاوز حدود العراق وتستنزف المنطقة لمجرد تأمين خروج مشرف للقوات الأميركية، والقاهرة ترى مع السعودية ودول الخليج أن حرباً ضد إيران يسعى إليها اللوبي الصهيوني الأميركي وتحرص عليها إسرائيل ستكون كارثة على المنطقة، وسيدفع العرب ثمناً فادحاً لها، ليس فقط فيما سيحدث من تدمير مادي وقطع لإمدادات البترول.
ولكن الأخطر فيما يحدث من صراع طائفي سوف يلقي بظلاله على المنطقة لعشرات السنين. ورغم أن مصر لا تعاني من مشكلة في تكوين أغلبيتها الإسلامية السنية إلا أنها تدرك أن آثار مثل هذه الكارثة ستمتد إليها بنشر التطرف الديني بالإضافة إلى انعكاسات ما سيحدث في الخليج وباقي المنطقة العربية عليها.
من هنا تبدو أهمية فتح الباب لحوار القاهرة ـ طهران في هذه الظروف الدقيقة. فهو ـ في جانب منه ـ رسالة إلى واشنطن بضرورة استبعاد خيار الحرب والاستمرار في الجهود الدبلوماسية والسياسية لإنهاء الأزمة مع طهران. وهو ـ من ناحية أخرى ـ رسالة إلى طهران بان الطريق يمكن أن ينفتح تماما لعلاقات أساسية بين مصر والعرب من جانب وبين طهران، إذا تعامل الطرفان بمسؤولية وبادراك بخطورة الموقف.
وإذا راعى كل طرف مصالح الطرف الآخر، وإذا تصرفت إيران كجار وحليف يدرك أن وجوده كقوة إقليمية هو أمر مطلوب إذا كان التركيز على بناء القوة الذاتية ومبتعداً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية ومنهياً المشاكل المعلقة معها مثل مشكلة الجزر الإماراتية وغيرها.
لكن هذا يتطلب جهداً على الجانب الآخر من اجل قوة عربية تخرج من حالتها السلبية الراهنة. ودور مصر محوري هنا إذا خرجت من حالة الانكفاء على مشاكلها الداخلية ولعبت دورها العربي بكفاءة أكبر، وهو دور لا يستطيع أحد في العالم العربي أن يلعبه غيرها، وهو أمر يعرفه الأعداء قبل الأصدقاء.
ومن هنا تزداد محاولات إغراقها بالمشاكل التي أثبتت التجارب أنها ـ مثل كل الدول العربية ـ لن تستطيع مواجهتها إلا في إطار عربي يحقق المصلحة المشتركة ويفتح الباب لحوارات مع الآخرين من موقع القوة التي نملك كل أدواتها إلا الإرادة الموحدة التي غابت طويلاً فأورثتنا كل ما نعانيه الآن.
نقيب الصحافيين المصريين