القاعدة العامة المتوافق عليها والتي كرستها معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، أن هذا السلاح مطلوب وقف إنتاجه وتوسيع ترسانته، في العالم؛ نظراً لطبيعته التدميرية الهائلة. لكن القاعدة الأميركية ـ الإسرائيلية، في المقابل، أن هذا المنع ضروري ومرغوب، على أن تستثنى منه تل أبيب، يجري تطبيقه على الجميع وخاصة في الشرق الأوسط، ما عدا الدولة العبرية، فهذه لها «امتياز» غير اعتيادي؛ بغطاء أميركي، ترسانتها النووية، ممنوع حتى ذكرها؛ فكيف المطالبة بضبطها ووجوب وضعها تحت المراقبة الدولية.
محاولات عديدة جرت للخلاص من هذا الاستثناء لكنها منيت بالفشل، آخرها كان أول أمس؛ خلال المؤتمر العام الـ 51 للوكالة الدولية للطاقة الذرية. القرار الذي اقترحته مصر، لإقامة منطقة منزوعة السلاح النووي في المنطقة؛ وقف ضده بالتصويت اثنان، كالعادة: واشنطن وتل أبيب، حظي بتأييد 53 دولة وامتناع 47 عن التصويت.
مع أنه غير ملزم. وهو يتوافق نصاً وروحاً، مع ما تزعمه الولايات المتحدة من حرص على الخلاص من هذا السلاح، في المنطقة. فقد دعا «كل دول المنطقة لتكون خالية من تطوير أسلحة نووية أو تصنيعها أو محاولة تصنيعها أو امتلاكها»، مع حظر تركيز قنابل ذرية في أراضي المنطقة أو في الأراضي التي تسيطر عليها».
وضع لو حظي بالقبول، لصارت الساحة الشرق أوسطية، تماماً كما هو منشود. بيد أن كل ذلك لم يشفع به. عبارة «كل دول المنطقة»، استثارت الاعتراض الأميركي والغضب الإسرائيلي. سفير تل أبيب في وكالة الطاقة أغاظه مجرد طرح الموضوع بهذه الشمولية.
بل حتى المطالبة ببيان رئاسي يدعو ـ مجرد دعوة ـ إسرائيل للانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي وإخضاع منشآتها للرقابة الدولية. وأغاظه أكثر أن تطالب المجموعة العربية في الوكالة، في ختام الاجتماع، بوضع البند النووي الإسرائيلي على جدول أعمال المؤتمر، في العام القادم.
وكادت كلمته أن تتحول إلى إعطاء دروس؛ مشددا فيها على وجوب تحقيق شروط عديدة قبل بلوغ مثل هذا الشمول وعلى مراحل طويلة؛ كما على وجوب الكف عن استخدام دول عربية لعبارة «الكيان»، في الإشارة إلى إسرائيل وضرورة أن تكون الإشارة محصورة باسم «دولة إسرائيل».
دفاع وذرائع وتملص إسرائيل، في هذا الخصوص، أمر مألوف وكذلك الأمر، بالنسبة لموقف واشنطن وتصويتها ضد القرار. فهي ليست المرة الأولى.
ولن تكون الأخيرة. لكن المفارقة الصارخة هذه المرة، أن إدارة الرئيس بوش التي ترفع يافطة التصدي لأي مشروع نووي وتكاد تندفع إلى حرب في المنطقة بسببه، لا تطيق، وفي اللحظة ذاتها، أن يذكر الملف النووي الإسرائيلي حتى بالإشارة كي لا نقول بالإدانة.
وكأن إسرائيل ليست في هذه المنطقة. أو كأن ما يجوز لها لا يجوز لغيرها؛ على أساس كما كان وربما لا يزال يتردد في واشنطن وتل أبيب، بأن إسرائيل بلد «حضاري» (!) وبالتالي «لا يخشى من امتلاكها لسلاح دمار شامل» كالنووي!!
الازدواجية الأميركية، حينما يتعلق الأمر بإسرائيل، مفضوحة وفاقعة والموقف الأخير في وكالة الطاقة، إضافة أخرى؛ تأتي لتؤكد أن واشنطن في غير وارد مغادرة هذا النهج. وإذا كان ذلك ينطق بأي شيء في اللحظة الراهنة فهو أن كلام واشنطن عن المؤتمر الدولي للسلام الذي دعت إليه في نوفمبر المقبل والذي جاءت الوزيرة رايس، قبل أيام، لتسويقه؛ من الصعب أخذه على محمل الجد. ازدواجية ومصداقية لا تستويان.
