يعيش لبنان فترة حرجة تنبيء بايام عصيبة قادمة، فعملية اغتيال النائب الكتائبي انطوان غانم الذي شارك الآلاف في تشييعه ورفاقه امس كشفت مرة اخري عن هشاشة الوضع الامني الداخلي،واستمرار حرب التصفيات السياسية.
اما جلسة البرلمان التي من المفترض ان تعقد يوم الثلاثاء المقبل لانتخاب رئيس جديد فما زالت موضع شكوك الكثيرين، لان التصويت سيكون مستحيلا في ظل غياب التوافق على رئيس محدد بين الموالاة والمعارضة، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
النائب غانم كان ثامن شخصية سياسية معارضة لسورية تتعرض للاغتيال في غضون اقل من عام، وبعد اشهر معدودة من اغتيال نائب آخر هو بيار الجميل نجل الرئيس السابق أمين الجميل، الامر الذي دفع الكثيرين في اوساط تيار الرابع عشر من مارس الى اتهام سورية بالوقوف خلف هذه الاغتيالات، وبهدف هز استقرار البلاد، وتقليص مقاعد الاغلبية في البرلمان.
السلطات السورية تنفي التهمة، وكذلك فعلت الجماعات والاحزاب الحليفة لها على الساحة اللبنانية، وهي كثيرة، ولكن هذا النفي، ومهما بلغت قوته لن يغير كثيرا من قناعات الطرف الآخر الذي يرى في سورية خطرا على البلاد، ويستنجد بالولايات المتحدة للتصدي لها، وتوفير الحماية له وللبنان.
الادارة الاميركية تستطيع ان تحمي حلفاءها من الخارج، اي من هجمات خارجية، ولكنها لا تستطيع توفير الحماية الداخلية، ومنع عمليات اغتيال من خلال عبوات او سيارات مفخخة، فما يحمي الجبهة الداخلية هو الوفاق السياسي، والمصالحة الوطنية، والرغبة الاساسية الصادقة في التعايش من خلال تقديم التنازلات المطلوبة لتحقيق هذه الاهداف السامية.
القوات الاميركية نجحت في اطاحة نظام الرئيس العراقي صدام حسين، ومن قبله حكومة طالبان، ولكنها لم تمنع الحرب الاهلية الطائفية في العراق رغم تعدادها الضخم، ولم تنجح في بسط سلطة الرئيس الافغاني حميد كرزاي على مختلف اراضي افغانستان.
اغتيال النائب غانم عملية جبانة مدانة، ايا كانت الجهة التي تقف خلفها، لانها تعكس عقلية دموية لا تؤمن بادب الاختلاف، والمعارضة السلمية في اطار ديمقراطي عنوانه التعددية السياسية والنقاش الحر والرد باسلوب حضاري يعتمد المنطق والحجة.
السيد امين الجميل الرئيس اللبناني الاسبق قال ان عمليات الاغتيال هذه تستهدف المسيحيين ودورهم في لبنان، من خلال تعطيل الانتخابات. وربما ينطوي هذا الاتهام على بعض الصحة، فالسيد الجميل ينسى ان الاغتيالات شملت ايضا مسلمين وخاصة الراحل رفيق الحريري، وكمال جنبلاط وحسن خالد ورشيد كرامي وغيرهم.
الاوراق اختلطت في لبنان، فالعماد ميشال عون الماروني المسيحي بات عضوا اصيلا في تحالف المعارضة الذي يتزعمه حزب الله، ووليد جنبلاط الدرزي وسعد الحريري يشكلان مداميك رئيسية في تحالف يتزعمه الموارنة المسيحيون الذين كان بعضهم مثل سمير جعجع قائد القوات اللبنانية يخوض حربا دموية ضد المسلمين.
هذا الخلط للاوراق ربما يكون السبب الرئيسي لمنع وقوع حرب اهلية، او تكرار الحرب الاهلية الدموية التي امتدت لعقد ونصف العقد بين المسلمين والمسيحيين، ولكنه لم يفلح في تكريس تعددية سياسية حزبية تؤدي الى التعايش في ظل ديمقراطية تظل الافضل في محيطها العربي.
الاشهر المقبلة ستكون عصيبة على لبنان واللبنانيين، لان استقرارهم الداخلي مرتبط باستقرار المنطقة، وحسم العديد من الملفات المعلقة فيها، وابرزها الملف النووي الايراني، وهذا ما يفسر قصر عمر فترة التقاط الانفاس بعد الانتهاء من ازمة مخيم نهر البارد وتنظيم فتح الاسلام بعودة عمليات الاغتيال بقوة لتذكر الجميع بحقائق الجغرافيا، وما يمكن ان تفرضه من وقائع على الارض، بعضها دموي للأسف الشديد.
