في الوقت الذي تم فيه امس تشييع جثمان نائب اخر من نواب الاكثرية اللبنانية وهو النائب انطوان غانم الذي تم اغتياله بسيارة مفخخة يوم الاربعاء الماضى في بيروت الشرقية، فإن عملية الاغتيال البشعة هذه لايمكن الا ان تكون محاولة اخرى واضحة ومخططة من اجل خلط الاوراق الى ابعد حد ممكن في ظروف شديدة التعقيد والحساسية على الساحة اللبنانية.
وليس من المبالغة في شيء القول بأن عملية الاغتيال التي تحمل العديد من الدلالات والرسائل المباشرة وغير المباشرة، سواء من حيث استهدافها لاحد نواب الاكثرية اللبنانية التي فقدت من خلال عمليات الاغتيال جزءا كبيرا من هامش اكثريتها.
او من خلال توقيت الاغتيال، الذي يسبق الاجتماع القادم لمجلس النواب اللبناني ببضعة ايام فقط، ومكانه في الضاحية الشرقية لبيروت ايضا، لايمكن الا ان تدفع بالموقف على الساحة اللبنانية نحو التوتر والتأزم ومن ثم الحد من امكانية التلاقي بين الاكثرية والمعارضة حول انتخاب رئيس لبناني بالتوافق بينهما خلال الفترة الدستورية التي تمتد من 25 سبتمبر الجاري وحتى 25 نوفمبر المقبل. وهو ما يعرض لبنان الى كل الاحتمالات خلال الفترة القادمة، وبما لايخدم المصالح الوطنية اللبنانية ايضا.
ومع الوضع في الاعتبار الادانات التي صدرت من كل الاطراف اللبنانية والعديد من القوى المعنية بالتطورات في لبنان، وهو امر طبيعي في مثل الظروف اللبنانية الراهنة، حتى وان كان هناك من يريد ضرب اية محاولة للتقارب بين الاكثرية والمعارضة او ابقاء الوضع اللبناني متوترا لاطول فترة ممكنة.
فإن اضافة عملية اغتيال النائب انطوان غانم الى ملف التحقيقات في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري، وهو ملف يتضخم بفعل فاعل باستمرار، يزيد بالضرورة من ثقل مهمة المحقق الدولي براميرتس ولجنته، خاصة وان براميرتس ينوي الاستقالة من مهمته الثقيلة وربما الحرجة ايضا مع نهاية هذا العام.
على اية حال فانه اذا كانت الجهة التي تقف وراء حرمان الاغلبية اللبنانية من احد اصواتها داخل مجلس النواب اللبناني باغتيال انطوان غانم، قد نجحت في إثارة قلق العديد من الاطراف حول ما يمكن ان تشهده الساحة اللبنانية خلال الاسابيع القادمة، بما في ذلك عدم استبعاد حدوث اغتيالات موجهة اخرى.
فإنه من المؤكد ان كل القوى اللبنانية الحريصة على المصالح الوطنية اللبنانية والساعية الى انقاذ لبنان من دائرة الاغتيالات السياسية المخططة والموجهة ايضا، تقف الان امام مسؤوليات كبيرة تتجاوز بالضرورة اية مشاعر او ميول لرد فعل هنا او هناك اذ ان ذلك هو من اهداف هذه العمليات البشعة للمساس بأمن واستقرار لبنان .
والقضاء على أية فرصة للاتفاق تلوح في الافق. وبغض النظر عن قراءة هذا الطرف او ذاك لعملية الاغتيال واهدافها، فإنه من المهم والضروري بالنسبة للاطراف اللبنانية الحريصة على المصالح الوطنية اللبنانية ان تتحرك بسرعة ليس فقط لتطويق تداعيات عملية الاغتيال لبنانيا، ولكن ايضا من اجل القضاء على الهدف الرئيسي منها وذلك بمواصلة الاتصالات والمشاورات والاعداد لاجتماع مجلس النواب اللبناني يوم الثلاثاء المقبل حسبما دعا نبيه بري رئيس المجلس.
ان التحدي الذي تواجهه القوى الوطنية اللبنانية على هذا الجانب او ذاك هو بالقطع كيفية اخراج لبنان من دائرة الاغتيالات المخططة والموجهة وانتخاب رئيس لبناني جديد خلال المهلة الدستورية المحددة والتوافق على العمل من اجل المصالح اللبنانية بعيدا عن الارتهان او الارتباط بهذا الطرف الاقليمي او الدولي.
لأن الاطراف اللبنانية هي فقط التي تستطيع تحديد وصياغة المصالح اللبنانية الآن وفي المستقبل. ومع ادراك ما قد يكتنف ذلك من صعوبات في ضوء التفاعلات التي تموج بها الساحة اللبنانية الا انه من المؤكد ان القيادات اللبنانية قادرة على فرض ارادتها وخياراتها الوطنية اذا ارادت هي ذلك.
