فرنسا لا تصنف ضمن الدول العظمى، إلا بعضويتها في مجلس الأمن، فهي دون مستوى اقتصاد ألمانيا وأقل من اليابان، لكنها كصوت سياسي أقوى منهما، وقد ظلت دولة معارضة لأساليب السياسة الأميركية منذ ديجول، وإلى الرئيس شيراك ومع أنها شكلت المعارضة الأقوى إلا أن فاعلية تأثيرها على أرض الواقع ظل الأقل، وقد تكون تلك التصرفات نابعة من شعور عام أن فرنسا أكثر استقلالية برؤاها من كل دول أوروبا التي ظلت تجامل أمريكا، أو تلتف خلفها.
الرئيس ساركوزي يملك حماساً آخر، يريد إخراج فرنسا من صورتها التقليدية أثناء وبعد الحرب الباردة، إلى زعيم أوروبي بمواصفات أميركية، لكن ما هو مثير للجدل أن الحليف التقليدي لأميركا بدأ ينسحب من العديد من المواقف، وشكل رئيس الوزراء البريطاني الجديد السيد (براون) ظاهرة مغايرة للزعماء السابقين.
وقد تكون دوافعه أن حروب المرحلة الراهنة والركض خلف انتصارات مستحيلة، جعل الذاكرة البريطانية تستعيد أزمنة انحسار نفوذها الكوني بذات الضغوط، لكن الرئيس ساركوزي أراد أن يملأ الفراغ البريطاني حتى لا تكون هذه الوظيفة شاغرة، وقد تكون الدوافع أن ظل الدولة العظمى يضع للحليف مكانة كبرى، في الوقت الذي نرى دولاً مثل اليابان حذرة في التعاطي مع تحالف يجرها إلى مغامرات خطرة.
وحتى عندما تطلب أميركا ود الهند بجعلها القوة الصديقة والحليفة في مواجهة الصين تتراجع أكثر من خطوة، لكن ما هي دوافع فرنسا في هذا الانجذاب السريع نحو أميركا؟..
هناك شعور فرنسي بأن التباعد عن أميركا أوروبياً خطأ فادح وكبير لأن ما جمع دول الأطلسي في حالات الحروب العالمية، يجب أن يبقى في حالة المنافسات العالمية وخاصة بروز آسيا وعوامل دولية أخرى، غير أن خطأ فرنسا، يأتي من نبرتها الجديدة وخاصة رئيس الجمهورية ووزير خارجيته، حين يصرح الأول بما يفهم منه إحياء أساليب الحروب النفسية والسياسية عندما يرى أن تركيا ليس لها مكان في أوروبا، وفرنسا صوت من أصوات أوروبا التي قد تكون لها نفس وجهة النظر أو تعارضها..
أما وزير الخارجية، فقد جاءت تصريحاته حول إيران بما يشبه من يعلن الإنذار الأول لحرب قادمة تساهم بها فرنسا بشكل غير مسبوق، وهذا يدفعنا إلى محاولة فهم هذه اللغة، وفيما إذا ما ولد "محافظون جدد" بثياب فرنسية يلتقون مع محافظي أميركا الذين بدأت تنحسر عنهم الأضواء وتشردوا نتيجة اصطدامهم بواقع لم يكن يدركوا أبعاده وخسائره الفادحة في العراق وأفغانستان وجبهة الحرب المفتوحة والطويلة مع الإرهاب..
أيضاً قد يكون تنامي دور الصين في أفريقيا، والتي ظلت الضاحية الفرنسية في التمدد الثقافي والنفوذ السياسي، ودخول أميركا على خط المنافسة، وضع الأهمية الفرنسية بالمرتبة الثالثة وهذا يعني أن التلاحم مع أميركا مهم لصد الصين وإبعادها عن مراكز النفوذ والدليل أن جولة ساركوزي في أفريقيا جاءت متزامنة مع اعتلائه كرسي الرئاسة..
هل تلعب فرنسا دور بريطانيا في حلفها مع أميركا؟ كل الاحتمالات مفتوحة على أبواب كثيرة، ولكنها خطوة محفوفة بالمخاطر..
