ردود الأفعال التي يسجلها القراء على مقالات الكتّاب والصحافيين في الإمارات مؤشر مهم يحتاج إلى قراءة متأنية، وفي السياق نفسه تأتي أحاديث الناس في تجمعاتهم ومجالسهم ومقاهيهم وخيمهم، فليس صحيحاً ما يشاع أن أهل الإمارات في تلك المجالس يمضون الوقت بأكمله يثرثرون حول الكماليات والأسهم والثياب والعطور ويغتابون الآخرين، ثم يشربون القهوة ويمضون إلى نومهم بلا هموم وبلا قضايا تقلقهم، ذلك تصور خاطئ، وقراءة بعيدة تماماً عن الواقع!

الواقع أن هؤلاء مؤرقون بما يحدث حولهم، وبما يدور كل يوم في المجتمع، المشاريع والتغيرات الحاصلة، وتحديات الهوية وأزمة التعليم وما يحدث في المدارس وفي الشوارع وفي الجمعيات التعاونية والمراكز التجارية و.. كل هذه الأمور وغيرها تعنيهم وتؤرقهم وتشكل محور أحاديثهم، حتى وإن كانت بصوت هامس خوفاً من شيء ما قد يكون وهماً وقد لا يكون، لكنهم مع ذلك يتحدثون ويقولون رأيهم بصراحة لأنهم المعنيون بالتأثيرات السلبية والإيجابية لكل ما يحدث حولهم وما يحدث لهم!

ما يحتاجه هؤلاء هو القدرة على التعبير عمّا يجول في أذهانهم، فلم تعد برامج البث المباشر الإذاعية تكفي لاستيعاب آرائهم، خاصة وأن هذه البرامج تقف وحيدة في الميدان لا شيء يساندها ويعزز دورها، فلا برامج حية تلفزيونية في هذا الاتجاه، ولا مجالس أحياء، ولا لقاءات تذكر مع السادة نواب الشعب في مجلسنا الوطني الموقر ولا...!!

لذا يتحمل مذيعو البث المباشر في الإذاعات بعض هذا العبء، كما يتحمل بعض الكتّاب ممن يعبرون عن هواجس المجتمع بعضا منه، وتقوم بعض المواقع الالكترونية بجزء من تحمل العبء، لكن ذلك لا يكفي، فالتعبير عن الرأي حق يحتاج الجميع لممارسته خاصة حين يتعلق الأمر باحتياجاتهم اليومية، وهمومهم الحياتية ومتطلبات وجودهم ومستقبلهم وتحديات بقائهم.

في اعتقادي أن المدارس معنية بتعزيز هذا التوجه وتوفير مساحة زمنية خلال اليوم المدرسي لتعويد الطلاب على الحديث عن أنفسهم بحرية، والحديث عمّا يعتقدونه جدير بالملاحظة والانتقاد واقتراح الحلول والمخارج لما يعتقدونه تجاوزاً أو خطأ..

فيما بعد يحتاج الناس في أحيائهم السكنية للقاءات جادة يبحثون فيها احتياجاتهم ويقولون ملاحظاتهم الخاصة بما يصادفونه من تحديات ضمن شكل تنظيمي يعرف بمجالس الأحياء، ويحتاج أفراد المجتمع كلهم إلى قنوات عديدة يتضافر الجميع من خلالها لجعل الحياة أكثر سلاسة وبشكل صريح وشفاف لا يغض الطرف عن الخطأ ولا يُجمل التجاوزات!

الناس في مجالسهم يتحدثون عن همومهم لا أكثر، يتحدثون بحثاً عما يريحهم ليعيشوا الحياة بعيداً عن المنغصات والتعقيدات وهذا حقهم، لذلك فلا يخرج حديثهم عن الزحام والغلاء، وشكاوى الأهالي والمعلمات والطلاب من الأوضاع المدرسية، ومشكلة الفقر ومعاناة الكثير منه، والديون التي يرزح تحت وطأتها كثير من الشباب و.. حديث المجالس هو حديث المجتمع كله.

ayya-222@hotmail.com