من البديهي أنه منذ تأسيس الأمم المتحدة اتفق على اعتبارها منظمة دولية تجتمع فيها إرادات الشعوب على اختلاف مشاربها لتلتقي على ميثاق محدد في التعامل الدولي المنظم الراقي الذي يحمي استقلال الدول وحرية الشعوب.
كما اتفق على الأدوار التي تؤديها الدول داخل المنظمة والأدوار التي تقوم بها هذه المنظمة تجاه دول العالم.. ومن أهم الأدوار التي أخذت حيزا كبيرا ومهما هو دور الأمين العام للأمم المتحدة الذي جاء وصفة كأعلى موظف دولي يقوم بمهام فاعلة في التعبير عن إرادة المنظمة الدولية والاشتراك في مناقشة ومعالجة القضايا الدولية.
وعبر تاريخ الأمم المتحدة عبر تاريخ الأمم المتحدة تولى منصب الأمين العام سبع شخصيات هي على التوالي: تريجفي لي (النرويجي)، داج همرشولد (السويدي)، يوثانت (من بورما) فالدهايم (النمساوي)، خافير بيريز دي كويلار (من بيرو)، بطرس غالي (المصري)، كوفي عنان (من غانا) وبذلك تم تمثيل جميع قارات العالم تقريبا في تولي هذا المنصب.
لقد بدا دور الأمين العام للأمم المتحدة في المجال السياسي يتزايد بصورة مضطردة منذ أن أسندت إليه الأمم المتحدة الإشراف على انسحاب القوات البريطانية ـ الفرنسية ـ (الإسرائيلية) في أعقاب العدوان الثلاثي على مصر 1956.
بل إن الأمين العام خلال هذه المرحلة (داج همرشولد) قد استحدث نظريته في (السلطات الطارئة للأمين العام) التي تخوله اتخاذ إجراءات لم تفوضه الأجهزة الرئيسة في اتخاذها بل حتى ولو لم يكن منصوصا عليها في الميثاق، ثم أكد همرشولد هذه النظرية من خلال مسلكه تجاه أزمة لبنان 1958 حين اتخذ قرارا بزيادة عدد مراقبي الأمم المتحدة في لبنان بعد أن عجز مجلس الأمن عن ذلك، بسبب استخدام حق الاعتراض (الفيتو).
كما أن هذا الموقف قد تكرر في قضية البحرين 1970 حين طلبت كل من بريطانيا وإيران من (يوثانت) الأمين العام وقتذاك التثبت من حقيقة رغبات شعب البحرين فيما يتعلق بمصيره، وقد استجاب الأمين العام لذلك من دون الحصول على إذن من مجلس الأمن.
ولقد رد الأمين العام على اعتراضات كل من فرنسا والاتحاد السوفييتي التي رأت أن سلوك الأمين العام يشكل مساسا باختصاص المجلس صاحب الاختصاص الأصيل باتخاذ جميع القرارات والتدابير المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين بان: مساعيه الحميدة أو وساطته لا تمس سلطات مجلس الأمن في الوقت نفسه الذي ترتب عليه التزام تقديم المساعدة عملا بمبدأ وجوب تسوية المنازعات بالطرق السلمية المقررة في الميثاق.
إن تفويض الأمين العام القيام بأعمال تنفيذية ذات طابع سياسي أدى إلى إحداث تغيير في طبيعة وظيفته إذ أنها تحولت من وظيفة إدارية في المقام الأول إلى وظيفة سياسية، وقد جاء هذا التطور نتيجة عمومية وغموض هذه التفويضات من جهة ولان عمليات التفويض تحتم على الأمين العام تقديم اقتراحات وان يطلب المزيد من الصلاحيات لمواجهة الأوضاع والتعقيدات التي تبرز فجأة خلال سير العمل ولم تكن في الحسبان وقت صدور التفويض،
وخير مثال قضية الكونغو 1960 وبذلك احتفظ الأمين العام لنفسه بحق التصرف وفقا لتقديره الخاص، لا سيما ان معظم القرارات التي كانت تكلفه القيام بعمل تنفيذي لم تحدد وسائل التنفيذ لكنها كانت تتضمن الهدف من ذلك الذي يكون بصيغة عامة تمنح الأمين العام هامشا كبيرا للعب دور سياسي مهم، فاق في بعض الأحيان ما يلعبه مجلس الأمن او الجمعية العامة من دور في حفظ الأمن والسلم الدوليين.
إلا أن الواقع هو أن مطلع التسعينات شهد عملية تحويل منصب الأمين العام للأمم المتحدة إلى منصب تابع لوزارة الخارجية الأميركية وبدا الأمين العام يتحول إلى موظف في الإدارة الأميركية أكثر من كونه معبرا عن إرادة الدول.. وبدأت الهنات تتزايد في أداء الأمين العام بدءا من بطرس غالي الذي هو بحد ذاته وصف دوره على انه تم حصر دوره كأمين عام للأمم المتحدة في بيت من زجاج وخاصة إبان حرب الخليج الثانية.
أما كوفي عنان فلقد رسخ مفهوم الأمين العام التابع للإدارة الأميركية وكان دوره الضعيف واضحا في مجمل القرارات التي اتخذت وخاصة قرار غزو العراق الذي تم تجاهل الأمم المتحدة فيه تماما بل وان غزو العراق أدى إلى سقوط آخر أوراق التوت عن أهمية وفاعلية دور الأمم المتحدة في حماية الشعوب وحفظ استقلالها.
بان كي مون (الكوري الجنوبي) وهو آخر العنقود اختلف عن جميع سابقيه في أن هزالة دوره خطت منذ الأيام الأولى لتسلم منصبه فنحن اليوم في عالم يدور ويضج بكل الأحداث ومع هذا لا تزال يد كي مون بعيدة عن الإمساك بأي قضية بل وان مؤشر حراكه الدولي غالبا ما صار يميل باتجاه عقارب الساعة الأميركية حتى بات يسجل ضعفا مبكرا في دور وفاعلية أداء الأمين العام للأمم المتحدة.
فالمعروف أن أمام كي مون 4 قضايا رئيسية: بالنسبة لقضية دارفور بان كي مون زار السودان مؤخرا وتنقل في محطات رئيسية كان أهمها زيارته لمدينة الفاشر شمال دارفور وهي معقل لأهم واعنف نزاع تشهده السودان.
زيارة بان كي مون كانت في الواقع زيارة تعليمية لأنه يبدو أن كي مون يجهل ما هي دارفور وما هي السودان وعلاقته بالقضية كانت عن طريق التقارير الإخبارية فقط وبالتالي عندما رأى السودان أعرب عن عزمه زيادة اهتمام الأمم المتحدة بهذه المنطقة وعن أهمية زيادة القوات الدولية فيها
وهو بذلك يكرر ما قالته كوندوليزا رايس ورأي الولايات المتحدة في القضية. ما رآه كي مون في السودان من كارثة إنسانية جعله يعتقد ان هذه الأزمة هي قمة المأساة في العالم الى ان انتقل الى مكان آخر الا وهو العراق.
في قضية العراق يبدو بان كي مون بأنه خجل ومتردد من التعمق في قضية لا تزال في اعتقاده تخص العراقيين وخاصة بعد زيارته الأخيرة الى بغداد والتي تم استقباله بقذائف هاون رجت القاعة التي كان يعقد فيها مؤتمره الصحافي مع المالكي
فما كان بالرجل إلى ان فر بجلده من نار العراق التي لا يمكن ان تطفئها حركاته الدقيقة وصوته الهادئ وملامحه المسالمة. ومنذ ذلك الوقت لم نر فعلا او نسمع كلاما يخص العراق سوى ترديد ما تقوله الولايات المتحدة.
أما على صعيد القضية الفلسطينية فيبدو ان الرجل تسلم في أول يوم من تعيينه التابو المحرم الذي يسلمه الأمناء العامون لبعضهم البعض منذ سنوات والذي يعتبر القضية الفلسطينية أمراً مفرغ النقاش فيه فلا قلتم ولا قلنا ولا كنتم ولا قلنا.
أما عن القضايا الإنسانية مثل قضية المهاجرين وقضايا اللاجئين فالواقع ان الأمم المتحدة لم تتخل عن دورها الكلاسيكي في هذا المجال بل وحتى رؤيتها كذلك على اعتبار ان اللاجئين الذين هم بحاجة ماسة لعون الأمم المتحدة هم لاجئي المخيمات في حين ان هناك أنواعا جديدة من اللجوء لا تزال جهود الأمم المتحدة محدودة في إيجاد الحل لها وخاصة اللجوء إلى الدول .
كما هو الحال مع العراقيين الذين سجلوا اكبر موجة لجوء جماعي منذ منتصف القرن الماضي ومع ذلك فان أداء الأمم المتحدة في تأمين هؤلاء اللاجئين لا يزال متعثرا وضعيفا. عموما ليس من المنطقي ان نطالب بان كي مون بان يصنع لنا ولقضايانا المستحيل
فهو ليس الا موظف دولي جاء من أقصى الشرق ومن حياته المنظمة لنرميه في فوضى العالم هذا بالإضافة الى ان الأمم المتحدة بكل مؤسساتها التي تعاني من عجز مزمن يبدو أن لا علاج له ولكن المشكلة هي أن جميع من تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة أبدى نشاطا متميزا في بداية عهده نشاط استفادت منه بعض القضايا ولكن مع السيد مون فان خسوفه بدأ سريعا حتى صار دوره لا يرى بالعين المجردة .
كاتبة عراقية