قبل أن يفيق ديكارت من سباته ليقول قولته الشهيرة: «أنا أشك، إذن أنا أفكر، إذن أنا موجود»، كانت كلمة «يتفكرون» بتصريفاتها المختلفة تتردد 18 مرة في القرآن الكريم، في تأكيد لا يقبل المراء على الأهمية التي تتمتع بها واحدة من أخطر وأروع القدرات الذهنية للعقل، تلك القدرة التي تقود الحضارات إلى التشكل والازدهار وخلافة بعضها بعضا من خلال تفعيل هذه القدرة العجيبة.

كما أن أنهار عطائها لا تنضب وجذوة إبداعها لا تنطفئ إلا عندما تتخدر عقولها عن ممارسة هذه القدرة بالمعتقدات الفاسدة من شاكلة أن التفكير ونواتجه من الإبداع والابتكار مهارة موقوفة على جنس بشري دون آخر، أو أن التفكير ترف فكري أو انغماس في الملهيات الدنيوية.

ولكن القرآن الكريم لم يتوقف في إثارة انتباه البشر إلى أهمية التفكير عند ذلك الحد، بل جاءتهم أساليبه من كل الجهات التي أشاحوا بوجوههم إليها جاعلين أصابعهم في آذانهم، فكان يستفزهم بالتنويع اللفظي الذي يضيف مدلولات أخرى للتفكير بمثل: «يعقلون» و«يفقهون» و«يتدبرون» و«يتذكرون»،

وبينما هم يعمهون في غابات الحيرة كان ينصب لهم علامات الطريق التي ترشدهم نحو الأساليب التفكيرية، ويحثهم في الوقت نفسه على المبالغة أو الإكثار من ممارسة التفكير بمثل لفظ: «انظروا» و«سيروا»، وكان أحيانا يستثير حمية أصحاب العقول الخاملة بالاستفهام الاستنكاري بقوله: «أفلا يعقلون» و«أفلا يبصرون»،

أو يلهب ظهر مكابرتهم وعنادهم الزائف بسياط الذم، ناعيا المآل الذي انتهوا إليه كقوله: «أولئك كالأنعام» وأنهم «لا يعقلون» و«لا يفقهون»، وأخيرا يتركهم القرآن وهم يتخبطون في مستنقعات شقاقهم وحماقتهم ويعود إلى الذين يفكرون ليسبغ ثناءه عليهم وينثر على رؤوسهم صفات السمو والشرف والألق بمثل: «أولي النهى» و«أولي اللباب» و«من يؤت الحكمة».

ما هو هذا التفكير الذي يمتلك هذه المكانة؟ على هذا التساؤل يجيب «المعجم الوسيط» بأن الفعل «فكّر» معناه: أعمل العقل فيه، ورتب بعض ما يعلم ليصل إلى مجهول (أي يصل إلى حقيقة ما كان مجهولا قبل التفكير).

أما «التفكير فهو: أعمال العقل في مشكلة (سواء أكانت المشكلة مادية أم فكرية أم عقائدية) للتوصل إلى حلها. وفي رأيي أن هذا التعريف شديد التبسيط والعمومية، ولا يروي عطش عصر الإيضاح والشمولية، ويحتاج إلى تطوير لسد فراغات الإبعاد العلمية واللغوية والتطبيقات المهنية لهذه المفردة الخطيرة».

ولماذا نفكر؟ لأننا نحتاج إلى ابتكار سبل أفضل للعيش واستقداح شرارات الإبداع والابتكار والتطوير في كل تفاصيل حياتنا اليومية، ونحتاج إلى تفادي الأزمات والمآزق التي نواجهها أو إلى البحث عن مخارج منها أو حلول أفضل لعلاجها، ونحتاج إلى معرفة حقائق علمية أكثر،

ونحتاج إلى إزالة الغموض أو الغبش عن الأفكار والآراء التي تصلنا أو عن الأحداث التي تقع من حولنا، ونحتاج إلى استغلال ثرواتنا بطريقة أفضل من خلال التخطيط والتنظيم بدلا من إهدارها باجترار التجارب الفاشلة والارتجال في اتخاذ القرارات، ونحتاج إلى تقويم منجزاتنا واكتشاف أخطائنا، ونحتاج أيضا إلى أن نتأمل في أسرار حياتنا.

وعلى هذا فإن أي شأن من شؤون الحياة مهما كان ضئيلا أو تافها في نظرنا أو كان ضخما هائلا يجب عليه أن يستسلم لمشرط التفكير، أو بالأصح علينا نحن أن نمدده على طاولة التشريح، وبهذا يصبح التفكير نشاطا عقليا لا يهدأ ولا يفتر ولا يتوقف،

ويمارس بوعي وإدراك وتحفيز بهدف إحالة المناطق المعتمة والمرتبكة إلى مناطق مضيئة ومتسقة، وإلا كان التفكير عملية معطلة أو مشلولة الحركة إذا كانت ممارسته من قبيل التعود أو وفق آلية لا إرادية. إن التفكير ليس فطيرا ملكيا يحتكره العباقرة والمفكرون والمبدعون، بل هو هواء لا ينبغي لأحد أن يتوقف عن تنفسه حتى الأطفال.

ومن هنا اكتسب التفكير مكانته وأهميته الفائقة على المستويين الفردي والجماعي، حتى ظهر في أدبيات الإدارة الحديثة تعبير «العصف الذهني»، وهو تعبير يقصد به استفزاز عقول وخبرات مجموعة من أصحاب الاختصاص للتفكير في حل مشكلة أو ابتداع فكرة مبتكرة ثم وضعها على طاولة واحدة لتشريحها أو تقويمها للوصول إلى أفضل الحلول أو أفضل الأفكار.

ومن هنا نلاحظ ذلك الارتباط الوثيق بين الإبداع والابتكار والاختراع والتطوير والنمو والنجاح، وبين تفعيل آلية التفكير الفردي والمؤسسي، فالفرد الذي لا يفكر يكرر نفسه، والمؤسسة التي لا تفكر لا تنافس، والمجتمع الذي لا يفكر لا يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام، بل إنه قياسا بحركة الآخرين فإنه يتراجع أو يتقهقر إلى الوراء في كل ثانية من عمره، وهذا يعني أن وجوده هامشي أو أنه عالة على الآخرين.

قد يتقمص التفكير أشكالا متنوعة كالتفكير الإبداعي أو التحليلي أو التقويمي، ولكنه في جميع الحالات لا يكون خطيئة ولا قرارا متهورا ولا نشاطا محظورا ولا يكون سلبيا، بل هو إيجابي دائما إذا تمت العملية التفكيرية بنجاح ومهما صغرت النتائج أو المخرجات التي تتمخض عنه،

أما عندما تتدخل أصابع الأهواء أو الانبهار بأفكار الآخرين بالتحريف والتزييف والتشويه، هنا تنحرف نتائج التفكير ومخرجاته عن مسارها إلى هاوية السلبية؛ ولهذا فإن الوليد بن المغيرة عندما «فكّر» في كنه القرآن، لم يذم الله تفكير الوليد،

بل ذم إخفاءه النتائج والحقائق الصحيحة التي أوصله إليها تفكيره وتعمد تشويهها بنتائج مزيفة أو مغلوطة، فقال: «إنه فكّر وقدّر، فقُتِل كيف قدّر ثم قُتِل كيف قدّر» (الآيات 18 ـ 20، سورة المدثر)، ولم يقل: فقُتِل كيف فكّر.

إن العقل البشري كثيرا ما يغشاه نوع من الوهم الذي يجعله يعتقد انه يفكر، بينما هو في الواقع مغيب عن التفكير، أو أن قدراته التفكيرية مشلولة الحركة، وهذا الوهم يسيطر عليه في حالتين: الأولى عندما يستسلم للهوى (وهي الحالة الخنزيرية)، لأن الهوى ليس تفكيرا،

بل هو انقياد أعمى وراء النتائج المبيّتة والقناعات المسبقة الفاسدة، أو هو حالة نوم مغناطيسي متأثر بالشهوات وملذاتها الخبيئة في تعاريج النفس الداكنة. وأما الحالة الثانية فعندما ينقاد وراء التقليد (وهي الحالة القردية)، لأن التقليد ليس تفكيرا هو الآخر، بل هو حالة انحسار وانقياد أعمى أو انجذاب شديد البلادة والغباء وراء أفكار الآخرين وأساليبهم، كحاطب ليل لا يكاد يميز بين الحطب والثعابين.

والآن، هل التفكير مجرد مفتاح كهربائي، أم هو عملية فيزيائية بسيطة توضع الفكرة أو المشكلة من خلالها في رفّ أو ميكروويف صغير في عقولنا، فلا تلبث أن تخرج الأفكار أو الحلول؟ لو كان الأمر كذلك لكانت كل دول العالم دولا متقدمة وليست ثمانية فقط،

أو لما كانت حوالي 60% من دول العالم دولا متخلفة أو صناديق نفايات للدول المتقدمة؛ ولكن التفكير نشاط إنتاجي له أساليبه وأدواته وبيئته الخاصة، كما أن على الشخص الذي يفكر أن يتزود بالسمات اللازمة لهذا الجهد الحيوي،

ولأن هذا المقال ليس بحثا علميا ليتعرض لهذه الأساليب والأدوات والعناصر التي تبلورت في طرائق كمية ووسائل فنية، فقد كفتني المكتبات الغنية بالكتب والمراجع المتخصصة عناء لا تطيقه المساحة المخصصة لي للكتابة.

إلا أنني أود التأكيد على مؤثرين من مؤثرات النشاط التفكيري، الأول عند استنبات الفكرة، حيث ينبغي على الشخص الذي يفكر أن يشحذ ذاكرته لتجميع المعلومات والبيانات وحشد ذخيرته من المبادئ والأسس والنظريات والأصول والقواعد المهنية والعلمية والخبراتية التي جمعها في رحلة حياته المهنية مما يحتاج إليه لبناء فكرته أو بدء رحلته التفكيرية،

وكلما كانت ثروته من المدخلات في هذه المرحلة غنية وصحيحة ودقيقة وموضوعية، كلما جاءت الفكرة أو نتائج التفكير أو مخرجاته إبداعية وإيجابية وحقيقية، ولعلنا نستشف في قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح كيف أن مدخلاته وأدواته التقليدية في القياس جعلته يتوصل إلى أحكام ونتائج غير صائبة في جميع المواقف التي واجهها.

أما المؤثر الثاني، فإن يدرك الشخص الذي يفكر أن الفكرة ليست جمادا، بل هي كائن حي ينمو ويتطور، بل إنه قد يتغير تماما، وقد يموت، وهذا كله رهن بقدرته على التركيز والتأمل العميق، ومدى تمتعه بالمهارة النقدية حتى يكتشف نقاط القوة والضعف في الفكرة، ومدى منطقية الترتيب الذي وضعت الأفكار أو عناصر الفكرة على أساسه، وقدرته على التخيل وقراءة الانطباعات أو إجراء محاكاة ذهنية للفكرة.

قد يكون التفكير نزهة ممتعة، ولكنه في معظم الأحايين يصبح أطول مدى، وأشد مشقة، وأكثر تعقيدا، إنه رحلة مضنية ومحفوفة بالمعاناة والإحباطات ومذاقات الفشل، ولكن ليس للبشر أي طرق بديلة تفضي إلى الإبداع والابتكار إلا طريق التفكير الذي يأتي بالإلهام، والإلهام نعمة من عند الله.

كاتب إماراتي