في ذاك الشهر من تلك السنة طليت جدران مخيمي صبرا وشاتيلا بالدماء، عدد القتلى غير نهائي لكنه بالتأكيد يزيد على ثلاثة آلاف قتيل، استغرق قتلهم وقتاً يقارب ثلاثاً وأربعين ساعة، أما السبب فهو تخلف التكنولوجيا المستخدمة.
كان إشباع شهوة دولة إسرائيل لإبادة أعدائها بالقصف أو خلال المعارك أو نتيجة للاشتباكات ليس كافياً، فالمقاتلون المدافعون كانوا قد صعدوا إلى سفنهم ورحلوا، والواقع الجديد يفترض استخدام طرق أخرى.
الجنود الإسرائيليون لن يلطخوا أيديهم، جل ما سيفعلونه أنهم سيغلقون مخارج المخيمين أمام الهاربين العزل وسيضيئون للسفاحين السماء لتحسين الرؤية، وسيؤمنون الجرافات لدفن الموتى وسحق معالمهم، أما الأعمال الدنيا فسيوكلونها إلى حلفائهم المحليين..
وطبعا هناك من كان تواقاً للقيام بالواجب. ويذكر انه على مدى يومين كانت أخبار القتل والتشنيع ونهش الأجساد تصل إلى مسامع البيوت المحيطة بذلك المخيم وترتجف لها الأوصال في حين كانت الجرافات تدفن الأحياء والجثث والشاحنات تنقل مئات الأشخاص ممن اختفت آثارهم.
المجزرة حدثت في فترة انتقالية شديدة الحساسية، كانت بيروت تعيش أجواء من القلق والترقب، لم يكن قد مضى إلا أيام معدودة على خروج منظمة التحرير الفلسطينية في الأول من سبتمبر بناء على اتفاق لوقف النار رعته أميركا يقضي بخروج مقاتلي المنظمة تحت إشراف قوة متعددة الجنسيات،
غادرت منظمة التحرير الفلسطينية بيروت وسط أهازيج واحتفالات توديع للمقاتلين، وقيل حينها إن عرفات حصل على ضمانات أميركية بعدم التعرض لأهل المخيمات الذين وجدوا أنفسهم دون حماية بين عشية وضحاها، تماما كما شعر العديد من سكان المنطقة الغربية من بيروت.
فقد انسحبت القوة المتعددة الجنسيات من مواقعها دون تقديم أي تفسير في 10 سبتمبر، ثم قتل بشير الجميل بعدها بأربعة أيام في 14 سبتمبر وكانت الأجواء العامة تثير الشهية للانتقام في حين تقدم الجيش الإسرائيلي ليحاصر المخيمين تحت مزاعم بقاء 2000 مسلح «إرهابي» داخلهما.
كانت المجزرة من الفظاعة بحيث أثارت نقمة العالم، وضعها مجلس الأمن في مصاف المجازر الأكثر شناعة في القرن العشرين ووصفتها الجمعية العامة للأمم المتحدة أنها بمثابة إبادة جماعية، حتى أن الإسرائيليين أنفسهم لم يتقبلوها، وسارت مظاهرات ضخمة في شوارع إسرائيل تدين ما حصل. كان لابد في ظل هذه الأجواء من تبرئة قيادة الجيش الإسرائيلي، وهذا ما قامت به لجنة كاهان حيث حملت شارون المسؤولية الشخصية لما جرى.
كانت الآمال كبيرة حين قبلت محكمة بلجيكية قضية أهالي ضحايا المجزرة ضد شارون، لكن هذه ما لبثت أن خابت مع تكاثف ضغوطات الإدارة الأميركية ومقتل إيلي حبيقة قائد الميليشيا المسلحة التي دخلت المخيمين، قبل شهر واحد من إدلائه بشهادته ومن ثم إسقاط الدعوى.
والمفارقة أنه بدل أن يتحول رصيد شارون الدموي والمليء بالجرائم إلى سبب لملاحقته قانونياً فقد أبقاه لامعاً سياسياً بالنسبة للبعض. وقد تم الاستنجاد بخدماته من قبل الأميركيين والإسرائيليين في عام 2000 عند انسداد أفق التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين لإنهاء التمرد الفلسطيني دموياً،
في ظل حملة تضليل واسعة لتلميع صورته بأنه رجل سلام، وهو لم يخيب آمالهم فقد خاض خططه للسلام بأسلوب حربي يتقنه تماما من قتل وتدمير واغتيالات وبناء معسكرات اعتقال للفلسطينيين.
شارون الآن على فراش الموت، لكنه لا يمثل إلا أحد النماذج المتطرفة لما تفرزه هذه الدولة التوسعية العنصرية ولما يمثله دورها في هذه المنطقة من العالم، وما يطمئن أنه على الرغم من مرور 25 سنة على المجزرة ما زال هناك من يطالب بالعدالة من أهل الضحايا وهؤلاء يلقون دعما ومساندة من مختلف أنحاء العالم،
وكانت مئات الشخصيات قد وقفت موقفا مشرفا مما جرى، وهناك الكثير من التقارير والدراسات والكتب التي تناولت المجزرة ومنها الايطالي والأميركي والياباني والانجليزي والفرنسي وحتى الإسرائيلي، كذلك هناك المؤتمرات والتحقيقات القضائية التي أقيمت في نيقوسيا وأوسلو وأثينا وطوكيو وبون، والزيارات التي أصبحت تقليدا سنويا لكتاب وفنانين ونواب ومخرجين ومناصري حرية من إيطاليا فرنسا واسبانيا وألمانيا والسويد وبريطانيا والولايات المتحدة واليابان.
وحدهم العرب على ما يبدو غير معنيين بإحياء هذه الذكرى كما يفترض، ربما تعودوا على مشاهد القتل أو ربما ما زالوا لا يتقنون أساليب التعبير والتضامن، الفضائيات تنتشر كالفطر وكذلك جمعياتنا حول حقوق الإنسان لكن أين قضايانا المحقة؟ أم أن كل هذه الفضائيات والجمعيات لا تتقن إلا تكرار ما يردده السرب، وهناك قضايا نتكلم عنها وأخرى نبقيها للمناسبات أم يريدون منا أن نصدق أن هذا معنى الاحتراف المهني.