لماذا يهيمن هذا الإحساس على العرب بأنهم لا يتقدمون أبداً؟. حتى التسعينات من القرن الماضي، لم تكن الديمقراطية والإصلاح والشفافية كلمات متداولة في الخطاب الحكومي في اي بلد عربي، وبعد حين سيقدر لزلزال 11 سبتمبر 2001 ان يحدث تغييرات هائلة في الخطاب الرسمي العربي حيث بات المسؤولون الحكوميون يرددون هذه المفردات بحماسة تفوق النظير.
وعلى الجانب الآخر انتظمت الانتخابات في غالبية البلدان العربية، وبات ملايين الناخبين العرب يتوجهون بشكل دوري الى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم في البرلمانات. ابعد من هذا، بدأت الصحافة العربية تشهد هامش حريات أتاح للصحافيين والكتاب ان يكتبوا عن الفساد وان يشيروا بأصابع الاتهام الى مسؤولين كبار في قضايا مختلفة من الفساد الى سوء الإدارة الى الإثراء غير المشروع.
وبتنا نشهد مسؤولين ووزراء يستقيلون من مناصبهم تحملا للمسؤولية وتعديلات وزارية من حين لآخر، وحكومات تصادق على حزمة من اتفاقيات دولية ظلت تمتنع عن المصادقة عليها زمنا طويلا، والاهم من هذا انتظمت غالبية الدول العربية في الصف انتظارا لتوقيع اتفاقيات تجارة حرة.
ما الذي تغير؟ هكذا وفي بضع سنوات فقط، تغير الخطاب الرسمي وتغيرت الهموم وجدول الأعمال، لكن الشعور الثقيل الوطأة مازال مخيما. فمن سنوات القمع والاستبداد والسجون المليئة بالمعتقلين من سجناء الرأي، أصبحت للبرلمانات في الدول العربية لسان وللصحافة أسنان وباتت محطات التلفزيون الفضائية ساحة أخرى تختلط فيها السياسة بالحرب والمصالح والتبشير الديني. لكن هناك ثمن كبير واكلاف باهظة تدفع.
يجري هذا كله في خضم حرب عالمية اسمها «الحرب على الإرهاب»، وفي ظل هذه الحرب تم إسقاط نظام قرووسطي في أفغانستان واحتلال العراق. لكن تبعات هذا الاحتلال باتت تنذر بأسوأ السيناريوهات التي لم تكن تخطر على البال: تقسيم وإعادة رسم خرائط المنطقة،
حروب مذهبية تستعر تحت الرماد ويجري تغذيتها بدأب ومثابرة وبقع مرشحة للانفجار ان في الخليج مجددا او في فلسطين او لبنان. السودان والصومال ليسا في الحسبان تماما، لقد ترك البلدان لكي يواجها مصيرهما.
لقد تغيرت قائمة الأعداء، فـ «الإرهاب» بات العدو الأول، و«التطرف» بات الأيديولوجية التي يتعين محاربتها، لكن ثمة عنصر مهم آخر هو ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط وفر مداخيل عالية للدول العربية المنتجة للنفط، فما الذي تغير؟
الإصلاح السياسي يتفاوت في درجاته، فهو شامل في هذا البلد وجزئي في بلد آخر، سريع في تلك البلد وبطيء في أخرى، شكلي هنا وعميق هناك، لكن المسار يبدو قد تحدد لمجتمعات ظلت تناضل منذ القرن التاسع عشر في سبيل الإصلاح والمشاركة الشعبية في صنع القرار.
لا مفر من الإصلاح ولا مفر من التغيير، لكن حدود التغيير وآفاقه تبقى هي الأهم. في هذا المشهد كله، ثمة عنصر واحد لم يطرأ عليه اي تغيير تقريبا، انها النخب في الدول العربية، عسكرية كانت ام مدنية، ان النخب الحاكمة العربية لديها الكثير من القواسم المشتركة.
فهي اذ أدركت ان لا مناص من التغيير، سعت كل منها الى تطويع التغيير بما يناسب أوضاعها، وثمة درجات وأشواط للمقارنة في المدى الذي يمكن ان تذهب اليه اي من هذه النخب في طريق الإصلاح، وهذا يصنع الفارق في شكل الإصلاحات والتغيير من بلد لآخر.
لكن هذا يبدو قاسما مشتركا أكثر منه علامة فارقة، فهذا مؤشر أول للتردد أمام التغيير. واذ انتظمت الانتخابات فان هذا لم يدفع الى الاستقرار السياسي في أكثر من بلد عربي، فالانتخابات لاتزال في العديد من البلدان العربية تجري على وقع العمليات الإرهابية في بعضها.
كما في العراق والجزائر ولبنان وفي ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية متردية للغالبية من السكان في غير بلد عربي. السبب ان الإصلاحات لاتزال تحلق مترددة وخجولة بجناح واحد هو الشق السياسي.
فالاقتصاد وعلى الرغم من كل الصخب حول الخصخصة والاقتصاديات المفتوحة وبلاغة المسؤولين العرب في الحديث عن مكافحة الفقر لانه حاضنة الإرهاب والتطرف، مازال أسيرا لمفاهيم الاحتكار نفسها التي ظلت تتمسك بها النخب الحاكمة.
واذ بادرت هذه النخب في السنوات الأخيرة الى فتح الأسواق والخصخصة فانها لم تغفل ايضا عن الانتفاع من المشروعات الضخمة والرساميل والاستثمارات. ففي معظم البلدان العربية لاتزال النخب تمسك بمفاتيح الاقتصاد وتقوم بتقاسم المنافع بطريقة متشابهة.
وعمدت هذه النخب الى تعميم الانتفاع على موظفي الدولة الكبار وضباط الجيش والأمن بحيث أصبح هؤلاء يشكلون طبقة أخرى من المستفيدين من مشروعات الخصخصة او غيرها من المشروعات. ان هذا يشكل قاسما مشتركا لدى غالبية هذه النخب الى الحد الذي بات ظاهرة مشتركة في كثير من البلدان العربية.
لقد انعكس هذا في حال من المراوحة تخلق إحساسا متجددا بعدم التقدم، فليست هناك اية آفاق للإصلاحات ولا تبدو الوعود حول التدرج في المضي في هذا الطريق قادرة على رسم مسار يمكن الوثوق به. ان الانتخابات وهامش حرية التعبير ليس كافيا للقول ان الديمقراطية تحققت،
فمفردات الخطاب الرسمي العربي الجديد لاتزال ينقصها مفردات كثيرة ضرورية وهناك اسئلة لاتزال معلقة ودون جواب حول النظام الاقتصادي الذي يتيح تحقيق العدالة الاجتماعية، من يملك الثروة وكيف تدار الثروة. وطالما بقيت هذه الأسئلة مطوية بالغموض، فان آفاق الإصلاح ستبدو دوما غائمة وليس فيها اي يقين وسيبقى الإحساس بأننا لا نتقدم لان هناك فعلا من يدافع عن السكون لأن فيه مصلحته.
هنا استذكر عبارة لمبشر بروتستانتي عمل في الإرسالية الأميركية في البحرين في بدايات القرن العشرين الماضي ووضع كتابا يلخص تجربته قال فيه «ان العرب ضحايا الأنانية».
كاتب بحريني