هل يمكن تخيل أن يكون «غطاء رأس النساء» ممنوعاً حتى اليوم في تركيا بحكم الدستور العلماني في المدارس والجامعات وأماكن العمل، بينما حرية العري مرحب بها طبقا للقوانين في بلد غالبية شعبه العظمى من المسلمين؟!!
وهل دساتير الدول العلمانية من حقها أن تتدخل بالمنع في أبسط حريات الناس الشخصية على اعتبار أن العلمانية تفصل الدين عن الحكم لكنها لا تفصل الدين عن الحياة، بل وتعلن ضمان حرية العقائد وتؤكد على الحق في الحريات الشخصية؟!
وهل الدولة الحديثة التي تجافي الدين بزعم أنه سبب للتخلف وتعتمد العلم أساسا للتفكير وأساسا للتقدم، وتتبنى مبدأ «تمكين المرأة» يمكن أن تقوم بتجهيل نصف المجتمع ومنع المرأة من أبسط مبادئ حقوق الإنسان سواء في التعليم أو في العمل؟
لاشك أنكم تذكرون المشهد المثير للأعضاء العلمانيين في البرلمان التركي الذين ثاروا وأثاروا الضجيج عام 2002 لمنع النائبة المنتخبة مروة قاوقجي من أداء اليمين القانونية لأنها ترتدي «الإيشارب التركي»!
يكفى أن نعلم أن هذه النائبة المحترمة رفضت القوانين التركية السماح لها بالتعليم في المدارس والجامعات التركية إلا إذا تخلت عن الإيشارب، لكنها تمسكت بحقها في الاعتقاد الديني وحقها في الحرية الشخصية ورفضت هذا التعسف القانوني، واضطرت إلى الالتحاق بوالدها المقيم في أميركا وسمحت لها القوانين العلمانية الأميركية باستكمال تعليمها العالي،
وحينما عادت إلى تركيا وترشحت لعضوية البرلمان عن حزب «الفضيلة» وهي ترتدي الإيشارب، وفازت بثقة الناخبين وهي تضع الإيشارب على رأسها، لكن المفاجأة كانت اعتراض النواب الديمقراطيين بعد الانتخابات الديمقراطية في قاعة البرلمان وإصرارهم على إخراجها من الجلسة.
بعد هذه المفاجأة غير السارة، كانت المفاجأة الأخرى هي اللامعقول بعينه، لقد لاحقوها في المحاكم لسحب الجنسية عنها، بتهمة مثيرة للدهشة وهي أنها كانت تقدمت بطلب إقامة أثناء دراستها الجامعية للسلطات الأميركية، وحين عادت إلى بلادها مفضلة الإقامة بها، دفعتها قوانين بلدها للأسف لمغادرة تركيا عائدة إلى أميركا التي لم تفرض عليها خلع الإيشارب!
وهل تذكرون المظاهرات العلمانية الصاخبة ضد ترشيح الرئيس التركي الحالي عبدالله غول لرئاسة الجمهورية اعتراضا على دخول زوجته «خير النساء» إلى قصر الرئاسة الأتاتوركي إذا انتخب زوجها لأنها ترتدي الإيشارب!!
لكن الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية المتهم بالإسلامية بثقة الشعب التركي فرض ديمقراطية الأغلبية على دكتاتورية الأقلية، ومحافظة على مشاعر من لديهم «فوبيا الإيشارب» اختارت خير النساء البقاء في بيتها مع زوجها بعد رفض زوجها الإقامة في قصر الرئاسة..هل هذا معقول؟!!
ولأن هذا بأي مقياس شيء من اللامعقول واللامدني واللاديمقراطي ولاعلماني، ولأن نسبة كبيرة من النساء الأتراك يرتدين الإيشارب بالرغم من هذا الدستور ذي الروح العسكرية الذي فرضه الانقلابيون العسكر بقيادة الجنرال «كنعان إفرين» عام 1980، كان طبيعيا أن تعيد حكومة العدالة والتنمية النظر في هذا اللامعقول بعد حصولها على تفويض شعبي يتيح لها إدخال تعديلات مدنية على الدستور الحالي.
فقد دعا رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى إلغاء القانون الذي يمنع النساء من ارتداء غطاء الرأس في الجامعات التركية، وذلك في إطار شروع حزب العدالة والتنمية حاليا في صياغة دستور جديد يضمن الحريات، بعد الفوز القوي الذي تحقق له في الانتخابات العامة .
وقال أردوغان، في حديث لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، إن المنع يحرم بعض النساء من حق الحصول على التعليم العالي، وأضاف: هذه ليست مشكلة في المجتمعات الغربية، لكنها هنا في تركيا مشكلة، واعتقد أنها أولوية بالنسبة للمشتغلين بالسياسة لإيجاد حل لها.
وهذا ما يشير إلى توقع أن تنهي التعديلات الدستورية القادمة التي تضمن الحقوق المدنية للمواطنين بتأييد غالبية نواب البرلمان حالة التناقض المصطنع بين الشعارات الديمقراطية المفروضة والممارسات الدكتاتورية المرفوضة، وتنقل المشهد التركي من العسكرية إلى المدنية، ومن اللامعقول إلى ما هو معقول.