لا تضيع إسرائيل فرصةً لاستثمار المناخ الإقليمي والدولي لتضخيم مكاسبها على حساب الحقوق العربية المشروعة، وتعتمد دائماً على أخطاء السياسة الأميركية، وتشرذم المواقف العربية، إما لتثبيت الوضع القائم، لصالحها أو لعرقلة أي جهد حقيقي لتحريك قطار التسوية، ومنع تحركه باتجاه إقرار سلام عادل وشامل.
وأحدث دليل على فشل السياسة الأميركية قدمته جولة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس الأخيرة في فلسطين المحتلة، تحضيراً لمؤتمر الخريف الذي اقترحه البيت الأبيض الأميركي، فلقد تمخضت الجولة عن حصاد الهشيم، وتصريحات تصب في خانة إبراء ذمة إسرائيل من جرائم الحرب التي يرتكبها جيش الاحتلال يومياً بحق المدنيين الفلسطينيين، وعقاب الشعب عقاباً جماعياً.
وقراءة نتائج الجولة بموضوعية تثبت أن المستفيد الأول والأخير هو إسرائيل، فلقد تبنت واشنطن وجهة نظر رئيس حكومة الاحتلال إيهود أولمرت بتخفيض سقف التوقعات من مؤتمر الخريف، واختزاله في مجرد إعلانات وبيانات إنشائية عن السلام، دون التطرق إلى اتفاقات أو التزامات بتحقيق استحقاقات السلام.
والحاصل أن إسرائيل بعد أن كانت على استحياء تتجنب أي التزام بجدول زمني لتنفيذ الاتفاقات مع السلطة الفلسطينية، أو أجندة واضحة لمؤتمر الخريف، باتت الآن في حل من أي التزام بعد ان حذرت رايس في طريق عودتها إلى واشنطن من التطرق إلى أي جداول زمنية للاتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين.
معنى هذا التحذير أن يد إسرائيل ستبقى مطلقة دون أي قيد من الشرعية الدولية، لتعبث وتعيث فسادا في الأراضي الفلسطينية، وتتزايد الحواجز العسكرية التي تذيق المدنيين صنوف الذل والتعذيب يوميا وتحول دون حرية تنقلهم بين مدنهم وقراهم، فضلا عن الاجتياح العسكري والاغتيالات بدم بارد.
والشاهد أن أي حديث عن السلام بدون جدول زمني، أو اتفاق ملزم يفرغ السلام من مضمونه ويحوله إلى مجرد حديث مخادع، يستخدم مقولة السلام لتبرير الاحتلال واغتصاب الحقوق، وإلهاء أصحاب النوايا السلمية، عن قضيتهم، ودغدغة مشاعر وسطاء السلام بعبارات إنشائية طنانة دون اتخاذ أي موقف على أرض الواقع.
وواقع الحال في الأراضي الفلسطينية ينذر بكارثة سواء في غزة المحاصرة بحزام احتلالي والجريحة بتقاتل الإخوة الأشقاء، أو في الضفة التي تُجتاح يومياً، ويفرض على من يدعي انه يعمل من أجل السلام التحرك الجاد لإنقاذ الشعب الفلسطيني من حصار التجويع الاقتصادي أو حصار التركيع السياسي.
وتؤكد تفاصيل المشهد العربي الراهن، ان مؤتمر الخريف لن يضيف جديدا باستثناء زيادة أعباء الطرف العربي بحديث عن السلام المخادع الذي يخفي أهوالاً أبشع واشد فتكا من ويلات الحروب. والمتابع لسلسة المبادرات السلمية الأميركية، يذهله حجم تلك المشاريع والخطط التي وحد بينها مصير الفشل الذريع والموت بالسكتة السياسية، بداية من اتفاق «واي ريفر»
وتفاهمات شرم الشيخ وتوصيات لجنة جورج ميتشيل، وانتهاء بخريطة الطريق، ومبادرة بوش، وسيلحق بها مؤتمر الخريف، دون ان يتقدم قطار التسوية خطوة واحدة بل تراجع كثيرا عن مساره وفقد زخمه في ظل انشغال واشنطن بخطة إعادة صياغة وخلق شرق أوسط جديد، يقوم مثل «العنقاء» من وسط دمار الفوضى الخلاقة.
وخلاصة القول، إن تحقيق التقدم على مسار السلام له شروطه الواضحة ومرجعياته التي ينبغي ان يلتزم بها كل الأطراف، وأولها: ان يكون السلام المطلوب سلاما عادلا وشاملا لا ينتقص حق أي طرف، لا يستهين بأي قرار من قرارات الشرعية الدولية، ولا يستثني أي طرف، لا يتبنى معايير مزدوجة تنصف طرفاً على حساب آخر.
يبدو أن الفترة الحالية ليست مؤهلة لإنضاج هذه الشروط، حيث يهتز ميزان العدالة الدولية لغير صالح الطرف العربي، فضلا عن غياب وحدة الموقف العربي ذاته، والأدهى تشرذم المواقف الفلسطينية بعد كارثة غزة التي همشت الصراع مع العدو الإسرائيلي لصالح حرب عبثية بين «داحس والغبراء».
معنى ذلك، أن السلام المخادع لن يصب سوى في صالح اغتصاب المزيد من الحقوق المشروعة لشعبنا العربي في فلسطين، فلقد سارعت وزيرة خارجية إسرائيل برفض «عودة مجرد لاجئ فلسطيني واحد»، وفي وضع كهذا هل ستكون هناك إمكانية للحديث عن سلام عادل وشامل؟ المؤكد أنها إمكانية مستحيلة.
