عندما طالب الوزير الإسرائيلي المتطرف أفيجدور ليبرمان منذ شهور قليلة بتطبيق إجراءات صارمة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، استبعد الكثير من المراقبين أن تعمل الحكومة الإسرائيلية على تبنيها على أساس أنها عقاب جماعي يرقى لمستوى جريمة ضد الإنسانية بحق أبناء القطاع المغلوبين على أمرهم.
في ذلك الوقت، اقترح ليبرمان اعتبار قطاع غزة "كياناً معادياً" لإسرائيل واعتبارها منفصلة سياسياً عن الضفة الغربية بحيث تعترف إسرائيل بسيادة السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية فقط.
وبهذا تقوم إسرائيل بعزل كامل لقطاع غزة وقطع الماء والكهرباء والخدمات الأساسية فيها وتشديد إجراءات العبور من وإلى القطاع عبر المعابر، وفي حال إطلاق صواريخ على إسرائيل من غزة، تقوم إسرائيل بقصف قطاع غزة بشكل مكثف، وتواصل عمليات الاغتيال والاجتياح ضد أبناء الشعب الفلسطيني.
لكن ما كان مستبعدا بالأمس أصبح واقعا على الأرض اليوم فقد أعلنت الحكومة الإسرائيلية بالفعل أن غزة "كيان معاد"، وانضمت إليها أميركا التي أعلنت على لسان وزيرة خارجيتها أن حماس كيان معاد (مع أنها أصرت على أن غزة والقطاع كيان واحد!).
الأمر الذي يمهد الطريق لإسرائيل للمضي في اتخاذ الإجراءات التي أوصى بها ليبرمان من قطع للماء والكهرباء وتضييق الحصار وتكثيف العمليات العسكرية إلى ما هناك من إجراءات تعسفية ستزيد بالتأكيد من معاناة المواطن الفلسطيني الذي يعاني حاليا من ضغوط لا تطاق.
إن اعتماد هذه السياسة من قبل الحكومة الإسرائيلية يعتبر تصعيدا خطيرا ويدفع إلى التساؤل عما إذا كانت حكومة إيهود أولمرت قد بدأت بتنفيذ توصيات ليبرمان، والتي تشمل أمورا كثيرة أكثر تطرفا وجنونا.
لكن بعد اعتبار غزة "كيانا معاديا" لم يعد مستبعدا أن تنتقل إسرائيل إلى بند آخر في توصيات ليبرمان وتطبقه طالما أنها تلقى دعما غير محدود من أمريكا وصمتا يصم الآذان من المجتمع الدولي.
ليس من المستبعد إذاً أن نسمع غدا قراراً يقضي بطرد جميع فلسطينيي الأراضي المحتلة إلى الدول المجاورة وأوروبا، أو بآخر يجرد الإسرائيليين العرب من جنسياتهم وتجميعهم في "جيتو" تمهيدا لطردهم أيضا أسوة بإخوتهم من أبناء الضفة والقطاع. وربما تقرر إسرائيل فجأة قصف السد العالي في مصر أو أهداف في دول عربية أخرى بحجة أنها تشكل تهديدا مباشرا أو استراتيجيا لها.
لم يعد من المستغرب أن تنفذ إسرائيل أي بند من بنود توصيات ليبرمان، ومع ذلك لا يزال الفلسطينيون مشغولين بالتنديد بـ"انقلاب" حماس والتشهير بـ"فساد" فتح بدلا من البحث عن منبر يقفون عليه متحدين ليذهبوا إلى مؤتمر السلام القادم أكثر قوة وشرعية وقدرة على تمثيل الشارع الفلسطيني كله.
