أرادت بعض الجهات العاملة في المجال الإنساني أن تضع إعلاناً يدعو إلى توحيد جهود العالم لإنقاذ البشرية من كوارثها التي يدفع ثمنها البعض دون الآخر، تماماً كما استطاعت الولايات المتحدة توحيد جهود العالم لمحاربة الإرهاب بعد حادث الحادي عشر من شهر سبتمبر الشهير!!
يقول الإعلان الذي يشكل برجي التجارة العالميين المحترقين جراء اصطدام الطائرات بهما في ذلك التاريخ المشؤوم: 2863 شخصاً ماتوا في حادث برجي التجارة، بينما يوجد 630 مليون شخص مشردين في العالم، لقد اتحد العالم ضد الإرهاب ويجب عليه كذلك أن يتحد في مواجهة الفقر.
وعبارة ثانية تقول: 2863 شخصاً ماتوا في حادث البرجين، بينما يوجد 40 مليون شخص يموتون بفيروس الإيدز في العالم، لقد اتحد العالم ضد الإرهاب، ويجب عليه أن يتحد في مواجهة الإيدز.
وأخيراً: 2863 شخصاً ماتوا بسبب احتراق البرجين، لكن هناك 824 مليون شخص يتضورون جوعاً في العالم، لقد اتحد العالم ضد الإرهاب، ويجب عليه كذلك أن يتحد في مواجهة الجوع. في الحقيقة، لقد تم منع هذا الإعلان من العرض، لكن هذا لا يعني أن كل شيء يمكن إخفاؤه، كما تقول القناة التلفزيونية إم تي في التي وزعت الإعلان عبر البريد الإلكتروني.
ومنذ عدة أيام نُقل عن جريدة الأوبزيرفر البريطانية أن عدد العراقيين الذين قتلوا منذ بداية الحرب الأميركية ضد العراق وحتى اليوم، أي خلال أربع سنوات يصل إلى مليون ومئتي ألف عراقي (000. 200. 1) رداً على مقتل 2863 ماتوا في برجي التجارة كذلك، فمتى سيتوحد العالم لإنهاء هذه الكارثة الإنسانية في العراق والتي تعد أكبر وأبشع وصمة عار في تاريخ أميركا والغرب كله، تماماً كما اتحد لشن الحرب والتمهيد لحدوث هذه الكارثة؟
العالم مليء بالمآسي التي خلفتها الطبيعة كالفيضانات والزلازل والأعاصير والجفاف وانتشار الأوبئة، لكن ضحايا الحروب والقلاقل السياسية خلفت أعداداً لا تحصى من المشردين والأطفال المحرومين من الحياة الكريمة في أبسط متطلباتها. إن واحداً من بين كل ثلاثة أطفال في العالم لم يرَ فصلاً دراسياً في حياته، وبينما تصل نسبة الأمية بين سكان الأرض 800 مليون شخص، فإن الأطفال يشكلون 120 مليون شخص من هؤلاء!
لماذا يتحد العالم لشن الحروب وصناعة المآسي؟
لماذا يتحد العالم لتخليق بذور الأزمات وصولاً لضخ الملايين في عروق تجار السلاح وأثرياء الحروب؟
لماذا يثرثر العالم حول السلام ومستقبل الأطفال وتطوير التعليم، وأبحاث الصحة واختراعات القضاء على الإيدز والكبد الوبائي والسرطان، بينما يتفنن في صناعة الموت وخلق الفرص تلو الأخرى لمضاعفة المشردين والفقراء والأميين والمرضى وضحايا العنف والألغام والقنابل العنقودية، والإشعاعات القاتلة والكيماويات الزراعية و... إلخ.
صار العالم يتقن صناعة الموت، ويقوي آليات تبريرها، وملأ الفراغ بالحديث عن مكافحتها، بينما نحن في العالم الثالث ندفع الثمن لنداوي ضحايا تلك الصناعة الآثمة الناجمة عن حروب عبثية أقل ما يقال عنها إنها حروب مدنسة!.
