اخترقت الحرب على الإرهاب كل مقومات ومبادئ الحريات وكل الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية. فالإدارة الأميركية استعملت الكذب والتعتيم والتضليل وكل أنواع الدعاية لتبرير غزوها لأفغانستان وللعراق وإيقاف عشرات الآلاف من البشر بدون حق وسجن المئات في غوانتانامو بدون محاكمة.
وهكذا امتزجت الديمقراطية الأميركية بالأنظمة الشمولية وامتزج الإعلام بالدعاية والدبلوماسية العامة والبروباغندا وسقطت السلطة الرابعة في يد جهاز الاستخبارات المركزية والبنتاجون. فمن تداعيات 11 سبتمبر 2001 اختراق حرية الصحافة وانتهاك السلطة الرابعة وإخضاعها لسلطة العسكر والساسة.
ست سنوات مرت على أحداث 11 سبتمبر 2001 التي أفرزت تغييرات جذرية في الخريطة السياسية العالمية وفي العلاقات الدولية وفي أمور كثيرة داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها. كتاب «الكذابون الحكوميون،
وزعماء يهللون لوسائل الإعلام، والناس الذين يهتفون ضدهم» لإمي وديفيد غودمان، يقدم في أحد أجزائه بالدراسة والتحليل والأدلة كيف أنفقت الولايات المتحدة الأميركية بسخاء مليارات الدولارات لممارسة الخداع والتزييف لتبرير غزو العراق ولنشر معلومات مضللة حول أوضاع العراقيين تحت الاحتلال.
وهكذا مارست الإدارة الأميركية ما تسميه ب«الدبلوماسية العامة» لتجميل صورة الولايات المتحدة في العالم بعد ما اكتشفت من خلال أحداث 11 سبتمبر أن صورتها سلبية جدا وغير مرغوب فيها عند معظم شعوب العالم. لتحقيق ولاء الرأي العام الأميركي والعالمي أجّرت الإدارة الأميركية أقلاما داخل أميركا وفي دول عديدة من العالم لإبراز دور أميركا في محاربة الإرهاب
والتخلص من الدكتاتوريين أمثال الرئيس صدام حسين. داخل الولايات المتحدة الأميركية استعملت إدارة بوش مختلف أساليب القمع وكبت الحريات العامة بحجة الحرب على الإرهاب وشملت هذه الطرق والسبل حتى من يتظاهر للدفاع ومناصرة قضايا كالبيئة وحقوق الإنسان والحريات الفردية وحرية الصحافة والتعبير.
فمنذ وصول إدارة بوش إلى السلطة وهي تستعمل طرقا ووسائل مختلفة وعديدة لكسب الرأي العام والحصول على تأييده وولائه، ومن اهمها إخفاء الحقائق والتركيز على ما يدعم سياستها وقراراتها. ومن بين الوسائل التي استعملتها إدارة بوش حملات علاقات عامة سرية لكسب ولاء وسائل الإعلام الأميركية والأجنبية للترويج لسياساتها.
فإدارة بوش كانت ومازالت تبذل قصارى جهودها لإقناع الشعب العراقي والرأي العام الأميركي والعالمي أن الأوضاع في العراق أحسن بكثير الآن عما كانت عليه في عهد صدام. والواقع بطبيعة الحال غير ذلك تماما.
فكل وسائل الإعلام المأجورة والموالية للبيت الأبيض أصبحت تتجاهل الواقع اليومي المتدهور والسيئ حيث تدنى مستوى الخدمات بمختلف أنواعها كالماء والكهرباء والمواصلات والخدمات الصحية ناهيك عن انعدام الأمن وسوء المعاملة والظلم والجرائم وغيرها.
وبدلا من كل هذا ركّزت وسائل الإعلام على الأخبار الإيجابية التي تزخرف وتلون صورة أميركا محليا وعالميا كالأموال المخصصة للتنمية والتحول نحو الديمقراطية والجهود المبذولة من أجل الأمن والاستقرار في العالم.
ولجأت إدارة بوش إلى إنشاء ما يسمى بإدارة «العمليات الإعلامية» لإنتاج مقالات وتقارير صحفية تُكتب باسم كتاب عراقيين لتضليل الرأي العام. هذه الإدارة والتي تنشط تحت مظلة البنتاجون خُصص لها مئات الملايين من الدولارات من أجل نشر الدعاية السياسية والخطاب الإعلامي الإيجابي والمحابي لأميركا من أجل إخفاء السلبيات والتركيز على الإيجابيات.
كما اعتمدت إدارة بوش على المعارضة العراقية التي كانت تزودها بأخبار مغلوطة وزائفة واشتهر الجلبي بالحصول على أموال طائلة لتقديم أكاذيب للأميركيين من أهمها وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق ولقاء صدام حسين بأسامة بن لادن ووجود علاقات وطيدة بين العراق والقاعدة.
هذه الأخبار تداولتها وسائل الإعلام الأميركية بإسهاب وبدون مساءلة ولا تحقيق ولا تمحيص في مصداقيتها. ففي حربها على الإرهاب وغزوها لأفغانستان والعراق جندت إدارة بوش إمكانيات كبيرة لتجميل صورتها في العالم كما جندت عددا كبيرا من الصحفيين واستخدمت السلطة الرابعة بوقا دعائيا للحكومة.
وبذلك جندت وكالة المخابرات المركزية عددا لا يستهان به من الصحافيين في عملية التضليل والتبرير والتلاعب الإعلامي من أجل كسب الرأي العام، ومن جهة أخرى ومقابل التقرب وكسب ود الصحافيين، استعملت إدارة بوش إجراءات أخرى للتخلص وإبعاد الصحافيين الجادين المعروفين بالتزامهم بقضايا الجماهير،
وكانت هذه الطريقة تُستخدم في المؤتمرات الصحفية للرئيس بوش حتى لا يتم إحراجه بأسئلة جدية ومبنية على معطيات وحقائق من الميدان قد تكشف عيوبه وأخطاءه على الهواء أمام مئات الملايين من المشاهدين عبر العالم. الحرب على الإرهاب،
التي تعتبر بكل المعطيات والمقاييس فاشلة، عملت المؤسسات الإعلامية الكبيرة على تبريرها وتقديمها للرأي العام سواء في أميركا أو في العالم على أنها نجاح ومكسب كبير للبشرية جمعاء وعمل حتمي لا بد منه من أجل الأمن والاستقرار العالميين.
فأميركا اشتهرت بانتقادها الموّجه للدول السلطوية وللاتحاد السوفييتي سابقا بسبب سيطرتها على وسائل الإعلام والتحكم فيها كما تشاء، وأكثر من ذلك تسخيرها لتقديم الواقع كما تريده هي وليس كما هو.
المتتبع لحرب أميركا على الإرهاب يلاحظ أن إدارة بوش أصبحت تتعامل مع وسائل الإعلام كالدول الشمولية وأصبحت تتعامل مع السلطة الرابعة وحرية الصحافة وحرية التعبير وكأنها الاتحاد السوفييتي في قمة اللينينية والستالينية.
ففي ظل إدارة بوش أصبح الصحفيون الأميركيون عملاء لحكومتهم، بدلا من مراقبتها والوقوف عند تجاوزاتها واستقصاء الحقيقة ومساءلة التقارير والبيانات الإخبارية التي ترد من البنتاغون والبيت الأبيض ووزارة الخارجية، أصبحوا يهللون ويصدقون كل التقارير وكل ما يصرح به السياسيون والجنرالات.
فوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية استطاعت، ومن أجل كسب الحرب الإعلامية الموازية للحرب على الإرهاب، تجنيد العديد من الصحفيين واستكتابهم لتزييف الحقائق وتضليل الرأي العام وتقديم ما يخدم سياسات إدارة بوش وتوجهاتها حتى وإن كانت على خطأ.
قالت صحيفة نيويورك تايمز في هذه الفصيلة من الصحافيين ما يلي: «تكفي ضغطة واحدة على الزر لتعزف تلك الأبواق ولتصبح أداة لأوركسترا الدعاية بأية لغة وفي أي بلد من بلاد العالم طالما أن مزاج السي أي أيه يتقبل الاستماع إليها. ويدعم تلك الأبواق أوركسترا كبيرة من الصحافيين».
فإدارة بوش لم تقتصر على «شراء» الصحافيين الأميركيين بل تخطت ذلك إلى أنحاء العالم حيث اشترت الأصوات والعملاء من الصحافيين والمؤسسات الإعلامية لإسماع صوتها وإسكات أي صوت من شأنه أن ينتقد الولايات المتحدة الأميركية. فالحرب على الإرهاب تحولت إلى الحرب على الحقيقة وعلى حرية الكلمة وعلى السلطة الرابعة.
كلية الاتصال - جامعة الشارقة