القفزة النوعية المستجدة على صعيد العلاقات الأميركية ـ الليبية الرسمية بتبادل السفراء بين الطرفين تدعونا للترحيب الشديد بالخطوة الأميركية تجاه ليبيا مع رفع اسمها من قائمة الدول الداعمة للإرهاب العالمي.
إلا أن حيثيات تطور الملف الليبي - الأميركي تستوجب من الباحثين والمتابعين التوقف قليلاً لدراسة هذا التحول بعد أن كال الطرفان لبعضهما البعض كل أشكال الاتهامات، والاتهامات المضادة، والحروب العلنية كما وقع عام 1985 في خليج سرت، وغير العلنية، وهي اتهامات وحروب ساهمت ودفعت نحو قطيعة استدامت ثلاث عقود ونيف من الزمن.
فالاستدارة الأميركية أتت بعد أن قدمت طرابلس الغرب خلال العقد الأخير، كل مستوجبات الانفتاح مع الإدارة الأميركية، فلم يكن الانقلاب والتحول في السياسة الليبية الرسمية تجاه المقولات التي طرحتها ثورة الفاتح من سبتمبر لعام 1969،
ووقف تقديم المساعدات لحركات التحرر في العالم وتحديداً لفصائل المقاومة الفلسطينية، الا خطوات مدروسة هدفت في جانب كبير منها لاستيعاب متغيرات الخارطة الدولية بعد انهيار التوازن الدولي وبدايات تفكك القطب الشرقي السوفييتي الموازي للولايات المتحدة.
وأولى تباشير التحول في الملف المشترك بين الطرفين، بدأت انطلاقاً من العاصمة الليبية قبل أكثر من عقد من الزمن، عندما بدأت القيادة الليبية بتحجيم وتفكيك علاقاتها مع الفصائل والقوى الفلسطينية المصنفة باعتبارها قوى راديكالية و«إرهابية» وفق المعايير الأميركية.
فقد تراجعت العلاقات الليبية مع غالبية الفصائل الفلسطينية، وأقدمت طرابلس الغرب على إغلاق كافة المقرات والمراكز الفلسطينية، عدا المكتب التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية باعتباره يقوم مقام سفارة دولة فلسطين،
وتم ترحيل آلاف العوائل الفلسطينية، ولم يشفع للمقاتلين الفلسطينيين من التنظيمات المذكورة، قتالهم الى جانب القوات الليبية في حرب منطقة أوزو ضد جماعات التمرد التشادية التي حاولت غزو الجنوب الليبي.
فقد بدأت القيادة الليبية باشتقاق سياسة مغايرة للخط العام الراديكالي الذي اتخذته منذ السبعينات وصولاً الى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، فأعطت العديد من الإشارات المهمة للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص،
وعملت جاهدة على التخلص من نظام العقوبات الأميركية وتلويحات مجلس الأمن بِشأن توجيه العقوبات لها، وسعت لاحتواء ودعم واشنطن لجماعات المعارضة الليبية التي افتتحت قواعد عمل لها فوق أراضي الولايات المتحدة.
ومن هنا، يخطيء من يعتقد بأن الخطوة الأميركية تجاه ليبيا كانت «صاعقة في سماء صافية» أو مفاجأة أو غير متوقعة في أحسن الأحوال بعد قطيعة طويلة استمرت لأكثر من ثلاثة عقود متتالية.
فالأجواء السائدة منذ سنوات، خصوصاً بعد أن كشفت ليبيا برنامجها النووي السلمي وأقدمت على تسليم وثائقه، والخطوات التي سبقتها على صعيد دفع التعويضات المالية لقاء تهمة (جوالة) غير مثبتة بشأن حادثة لوكربي، فضلاً عن الحل المماثل بشأن طائرة (الداكوتا) المدنية الفرنسية التي انفجرت في سماء صحراء النيجر جنوب الصحراء الليبية،
كل هذه الخطوات لم تكن سوى مؤشرات قوية على الخط العام الذي بدأت تسير عليه سكة العلاقات الليبية ـ الأميركية ومع الغرب عامة، وفي ظل نشاط وسطاء قنوات الدبلوماسية السرية العربية والدولية بين الطرفين.
وعليه، فان النتائج التي رست مؤخراً، بتبادل السفراء ورفع اسم ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، جاءت في السياق العام من التطور الملاحظ والمرصود منذ سنوات بالرغم من الأثمان الليبية الباهظة لقاء الحل الأخير،
وبعد أن عملت الدبلوماسية الليبية جاهدة للتخلص من «ارث» الماضي، ومن بقايا العلاقات التي كانت ليبيا قد نسجتها مع منظومات قوى حركات التحرر الوطني في العالم من فلسطين الى الفلبين، مروراً بالحديقة الخلفية لواشنطن في القارة الأميركية الوسطى والجنوبية.
ولكن، مهما يكن من أمر، فان الانتقال الليبي من الشعارات الراديكالية العالية التواتر الى الزمن الذي يسميه البعض بزمن «الواقعية الزاحفة»، يؤكد بأن زمن التطاير بالشعارات لم يعد وحده ممكناً في زمن آخر تعيشه المنظومات السياسية والدول على امتداد خارطة المعمورة. فالشعارات العالية وان كانت محقة وعادلة ونبيلة في كثير من الأحيان،
بحاجة الى روافع وأسانيد والى سياسات ناضجة وعاقلة، تحملها وتسير بها، والا فإنها ستقود البلاد والعباد نحو التطرف اللفظي الذي لا طائلة منه سوى إعادة «النفخ بالهواء» في عالم متغير، تتطور فيه مناحي العلوم وشبكة العلاقات الدولية والحياة بشكل عام كل يوم وفق متوالية هندسية.
كاتب فلسطيني - دمشق