في مقال سابق نشر في البيان بعنوان «التهديد لإيران والهجوم لسوريا» أشرت إلى احتمال تعرض دمشق لاعتداء إسرائيلي لأسباب كثيرة وهذا ما حدث فعلا حيث إن سوريا تعرضت لهجوم ما من قبل الطائرات الإسرائيلية لكنها لم تعط تفاصيل عن الهجوم وكذلك فإن إسرائيل تركت المجال مفتوحاً للاجتهادات خاصة الأميركية في هذا المجال.
ليس لإسرائيل مصلحة في إسقاط النظام السوري لأنها تعلم أن إسقاط النظام لا يعني تنازل سوريا عن الجولان المحتل فلا أحد بوسعه التنازل عن ارض محتلة. ولكن لإسرائيل أهدافاً أخرى لضرب دمشق وهو إضعاف المحور الإيراني لأن الهدف الأساسي لإسرائيل هو تدمير القدرات النووية الإيرانية وهو هدف تتولاه الولايات المتحدة حاليا لكن إسرائيل كما لمحت أكثر من مرة فإنها قد تتولى الأمر بنفسها إذا وجدت أن الجهود الأميركية لم تفلح.
في واقع الأمر يبدو أن قادة إسرائيل الذين عقدوا اجتماعات أسبوعية خلال الشهرين الماضيين لبحث الوضع مع سوريا لم يكونوا يركزون على الدعوات السورية لاستئناف المفاوضات بل كانوا يرقبون مدى التسلح السوري والتعاون الإيراني السوري وكذلك التعاون السوري الكوري الشمالي وأرسلوا رسائل تطمين كثيرة إلى دمشق لتبديد مخاوفها من أي هجوم إسرائيلي وهذا يعني ان إسرائيل تخشى من انتقال العدوى النووية من طهران إلى دمشق.
ولهذا وجهوا ضربتهم لما قيل انه صواريخ من إيران أو معدات نووية وصلت من كوريا الشمالية، أو ربما صواريخ أرض جو روسية الصنع.. وضحوا برسائل التطمين والوساطات التي عملت خلال الشهور الماضية على تهدئة الوضع على الجبهة السورية وفي الواقع فإن ايهود باراك وزير الجيش الإسرائيلي تستهويه
مثل هذه العمليات الخاطفة والغامضة ويحاول الإسرائيليون عادة إضفاء هالة اكبر عليها بالتزام السرية وبتسريب رؤوس أقلام يمكن البناء عليها خياليا أحيانا. وأظن أن مرحلة الزحف الأميركي الإسرائيلي لتضييق الخناق على طهران ودمشق قد بدأت فعلا. إذ أن الملف النووي الإيراني لم يغلق بعد ولا يستطيع الأميركيون والإسرائيليون احتمال رؤية تفرع هذا الملف ليصل إلى دمشق ليصبح هناك ملفان نوويان.
ولعل الحجة النووية هي الأمثل بالنسبة لتل أبيب وواشنطن لاستخدامها كمبرر لمخططات أو هجمات ضد سوريا وبالتالي بات من المحتمل ان تتعرض دمشق لمزيد من الهجمات تحت غطاء سعيها للحصول على تكنولوجيا نووية. ولا تتم مثل هذه الأمور عمليا دون موافقة أميركية رسمية ودون معرفة مسبقة من قبل تركيا التي استخدم الإسرائيليون مجالها الجوي في عمليتهم الأخيرة.
فالأميركيون بدأوا عمليا رحلة الهروب التدريجي من العراق وهم يبنون توقعاتهم على ان الوضع في العراق سيستتب أكثر إذا ما ألقت الدول العربية المسماة بالمعتدلة بثقلها لدعم الاستقرار في العراق كنوع من استباق الأمور ونزع الورقة العراقية من اليد الإيرانية.
ولهذا فإن التصعيد متوقع خلال الشهور القليلة المقبلة من قبل الإسرائيليين ضد دمشق ومن قبل واشنطن ضد طهران لأن معركة الملف النووي تقترب وثمة التزام رئاسي أميركي علني وسري بمنع إيران من تحقيق حلمها في امتلاك التكنولوجيا النووية ويبدو أن مجال المناورة بات يضيق على كل اللاعبين سواء الأميركيين أو الإيرانيين أو السوريين أو الإسرائيليين ولا تبدو في الأفق مبادرات تحمل في طياتها نذر الانفراج بل نذر التأزم.
وأظن أن لقاء واشنطن المقترح لبحث القضية الفلسطينية سيكون مؤشرا على الخطوة الإسرائيلية الأميركية التالية.. فإذا نجح اللقاء في استئناف المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية ببرنامج عمل محدد فذاك يعني أن واشنطن تستعد للحرب فعلا.
وإذا فشل فإنها ليست في وارد ذلك مطلقا. فالأصل ان واشنطن تراهن على موقف عربي داعم لها ضد إيران وسوريا فإن لم تلب مطالب معسكر الاعتدال العربي فإن أحداً لن يطرق الباب العراقي ليدعم تحصينه داخليا.
أما إذا نجحت في إجبار الإسرائيليين على التعاطي مع مبادرة السلام العربية ودفع مسيرة التسوية عمليا وعلى الأرض وليس معنويا فإن سماء المنطقة ستشهد ضربات متعددة.. أي تهدئة في أمكنة على حساب اضطراب أمكنة أخرى.