ٍ«الثقافة» علمياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، و«التنمية» عملياً الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هما توأمان، وهما في علاقاتهما أشبه بالنظرية والتطبيق، في منظومة بناء إنساني ومجتمعي شاملة ومتكاملة روحية وفكرية وتربوية وسلوكية وعلمية وعملية في الوقت ذاته.
وإذا كانت «التنمية» في تصور سهل هي الفعل العلمي والعملي والعقلي لزيادة وتطوير إنتاج المجتمع لإثراء ثروته المادية.. فإن «الثقافة» في تصور سهل هي الفعل الفكري والفني والأدبي لإثراء وتطوير إبداع المجتمع لإثراء ثروته البشرية.
وعندما نقترب من «ثقافة التنمية» كمفهوم وكعملية، نجد أنفسنا أمام مفردتين هما مفردة الثقافة ومفردة التنمية.. وأمام عمليتين هما عملية تنمية الثقافة، وعملية ثقافة التنمية.. وفي هذا الإطار فإن تنمية الثقافة هي أساس ثقافة التنمية.. وحيث لا بديل عن التنمية البشرية كأساس للتنمية الوطنية الشاملة فلا بديل أيضاً عن التنمية الثقافية كأساس للتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وإذا كانت التنمية بمعناها الشامل هي عملية تخطيط شامل لمضاعفة معدلات النمو في المجالات كافة بحشد الطاقات والإمكانات واستثمار الموارد والثروات، وتطوير للآليات والقدرات، فإن الأمر يحتاج إلى ثقافة للتنمية وتنمية للثقافة بهدف رفع مستوى معيشة الإنسان، وضمان أمانه الاجتماعي، وكرامته الإنسانية.
وبينما تدخل البشرية قرنها الحادي والعشرين في ظل ثورة غير مسبوقة في منجزات العلوم، والتكنولوجيا، وفي وسائل الإعلام والمعلومات، والاتصال والمواصلات، وفي الإنتاج والمبتكرات، ومع تلاشي المسافات وتفاعل الثقافات.
تشهد دول العالم تنافساً غير مسبوق نتيجة التواصل العالمي وتأثيرات العولمة للاستفادة من كل وسائل العلم ومنجزات التكنولوجيا في توظيف طاقتها وثرواتها وأدوات الإنتاج فيها لتحقيق أكبر قدر من معدلات النمو في مجالاته المختلفة.
ولكي تنمي أي دولة ذاتها ومجتمعاتها، وإنسانها وبنيانها، فلابد من التركيز على تنمية الإنتاج في شتى مجالاته الزراعية والصناعية وتحريك حوافز الإبداع والابتكار لدى مواطنيها حتى تبني ذاتها وتحيا عصرها وتنجح في تحقيق أمنها وأمانها وتقدمها ورخائها وازدهارها.
ولأن الإنسان هنا هو وسيلة بناء التنمية، وهو من يقوم بإدارة حركة التنمية، وهو المعلم و العالم والصانع والزارع والعامل والمبدع والمبتكر، فلا بديل عن الاستثمار في التنمية البشرية بتعليم وتدريب وتوعية وتثقيف الإنسان عقلياً وبدنياً وروحياً ووجدانياً صانع كل تنمية.
وإذا كانت الثقافة، هي تثقيف لسيف صدئ وجعله لامعاً وفاعلاً، وللإنسان هي تنمية لوعي عالٍ وتربية لسلوكٍ راقٍ بجعل الإنسان مصقولاً فكراً وفعلاً، فإن «التنمية» تسير في نفس الاتجاه، باعتبار أنها لغوياً تعني الزيادة بمتوالية مستمرة في كم الإنتاج.
وفي كيف الإنتاج بما يتيح زيادة في كم الخدمات وكيف الخدمات، بما يساعد على مزيد من التطوير لوسائل وغايات البناء وهو الإنسان حتى يصبح صالحاً للاستفادة والإفادة أي للأخذ والعطاء والإنتاج والاستهلاك وليس أحدهما بديلاً عن الآخر.
إن ثقافة زيادة الإنتاج وثقافة الحد من الاستهلاك كمدخل لتأمين حاجيات الإنسان المتنامية كماً وكيفاً، والوصول بالمجتمعات إلى تنمية وزيادة معدلات إنتاجها بما يزيد على معدلات استهلاكها، ولتصدر أكثر مما تستورد، يؤدي تلقائياً إلى إمكانية تأمين زيادة مجالات خدماتها بما يحل مشاكلها ويحقق تقدمها ورخاءها وازدهارها.
هذه التنمية، بمستوياتها المتكاملة وأبعادها المترابطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تظل ضرورة إنسانية ومجتمعية، لأمن وأمان، ولسلامة وسلام، الإنسان والبنيان، للفرد والمجتمع، وينعم كل إنسان فيها بالأمن والكفاية والعدل، والكرامة. سواء على مستوى الوطن أو على مستوى العالم ككل.
هكذا تترابط حلقات عملية التقدم والتنمية بحيث تغدو التنمية الثقافية هي أساس التنمية البشرية، وبحيث لا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بدون تنمية بشرية.. ولأن الإنسان الذي هو الغاية من كل تنمية، هو الوسيلة في الوقت نفسه لأي تنمية، أضحت التنمية الثقافية هي أساس التنمية الإنسانية للمجتمع.
فلا عمل بلا فكر ولا فكر مثمراً بلا عمل مثمر.