مازال كتاب طه حسين، عميد الأدب العربي والموسوم «في الشعر الجاهلي» يتسم بالحيوية والجدة، ومازالت أطروحته حول انتحال هذا الشعر تثير الجدل والنقاش بعد مرور أكثر من ثمانية عقود من نشره وبالتحديد في 22 مارس من العام 1926.
وقد أهدى طه حسين مؤلفه ذاك إلى «صاحب الدولة عبدالخالق ثروت باشا»، بعد أن انصرف عن السياسة وتفرغ للجامعة ـ كما يقول. والحق، أنني قد قرأت هذا المؤلف الصغير مرات عدة، وفي كل مرة أكتشف فيه جديدا، فهو عمل يدفع قارئه إلى التأمل والمراجعة حتى وإن اختلف مع صاحبه. وقد ثار لغط كبير حول ذلك الكتاب حينما نشر، ومازال الأخذ والرد حول ما جاء فيه قائما.
وابتداء يتخذ طه حسين الشك منهجاً، مستعيراً تلك الطريقة من الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي عاش في القرن السابع عشر، وهذا المنهج كان في أيامه جديدا بالنسبة لقومه في دراستهم لعلومهم المتوارثة وعلى وجه الأخص الشعر الذي هو لغة العرب.
أما فرضيته فتقول: «إن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام» .. «فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي ينسب إلى طَرَفة وعنترة والشماخ وبشر بن أبي حازم».
ويستدل طه حسين على ذلك من خلو الشعر الجاهلي من ذكر للحياة الدينية، وأن هذا الشعر يظهر «لنا حياة غامضة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية»، وهو فضلا عن ذلك لا أثر به للحياة العقلية في تلك المرحلة، وكأن العرب أمة بدائية ليس لها أي حظ من المدنية والتقدم، وهذا ليس صحيحا بالطبع!!
«فكيف يستطيع عاقل ـ يكتب طه حسين ـ أن يصدق أن القرآن الكريم قد ظهر في أمة جاهلة همجية»!! ثم إن هذا الشعر يصور العرب وكأنهم أمة منكفئة على ذاتها لا صلة لها بالأمم المتحضرة المحيطة بها، فأين هذا من رحلة الشتاء والصيف لأهل مكة وتجارتهم التي كانت تشق الجزيرة العربية لتصل إلى الشام واليمن!!
زيادة على ذلك إن العرب في الجاهلية كانوا يتحدثون بلهجات متعددة، بيد أن من يقرأ هذا الشعر لا يجد فيه تباينا لا في اللهجة أو اللغة ولا في البحر العروضي وقواعد القافية، والألفاظ مستعملة في معانيها كما نجدها عند شعراء المسلمين!! ويعطي طه حسين أسبابا متعددة للجوء المسلمين إلى انتحال شعر زعموا أنه قرض في العصر الجاهلي، ومن حججه في هذا السياق ما يلي:
أولا، أن العصبية وما يتصل بها من المنافع السياسية قد كانت من أهم الأسباب التي حملت العرب إلى انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين. فقد دفع الصراع السياسي بين القبائل العربية إلى أن «تحرص كل واحدة منها على أن يكون قديمها في الجاهلية خير قديم،
وعلى أن يكون مجدها في الجاهلية رفيعا مؤثلا بعيد العهد. وهي كانت بحاجة إلى الشعر تقدمه وقودا لهذه العصبية المضطرمة، فاستكثرت من الشعر وقالت القصائد الطوال وغير الطوال ونحلتها شعراءها القدماء».
ثانيا، ارتبط انتحال مثل ذلك الشعر بنواح دينية من قبيل مسألة الخلافة وأن تكون في قريش لمكانتها في الجاهلية والإسلام، والخلاف بين البيت الأموي والعباسي ومحاولة كل طرف منهما بيان مكانته في والذهاب عميقا في التاريخ أي إلى العصر الجاهلي، فضلا عن تفسير أخبار الأمم القديمة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، والاختلاف حول تفسير بعض ألفاظه واللجوء إلى التأويل، إضافة إلى الجدل الديني بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى.
ثالثا، القصاصون وحديثهم عن تاريخ العرب والعجم وعن الفتوحات وغيرها وشغف العامة بسماعهم وفطنة الخلفاء والأمراء لقوة تأثيرهم واستغلال ذلك بحيث غدا «القصص أداة سياسية كالشعر».
وكانت أيام العرب وأخبارهم كحرب البسوس وحرب داحس والغبراء وغيرهما مادة خصبة لهذه القصص التي أخذت تمثل الحياة العربية القديمة بعد أن استقر هؤلاء في المدن والأمصار فزادوا فيه ونموه وزينوه بالشعر كما فعل اليونان بذكر قديمهم فأنشأوا بذلك الإلياذة والأوديسا وغيرهما من الشعر القصصي.
رابعا، وهو أخيرا وليس آخرا دور الشعوبيين وصراع العرب معهم، والشعوبيون كانوا من الموالي الفرس الذين أصبحت مكانتهم الاجتماعية أدنى من مكانة العرب وبالتالي كان هذا مدعاة لحقدهم وبغضائهم على تلك الأوضاع مما دفعهم إلى التغني بأمجاد آبائهم ومآثر أجدادهم وإلى انتحال أشعار تبين فضلهم واثبات تسيدهم على العرب قبل الإسلام.
وبين هؤلاء أن كثيرا من شعراء العرب الأقدمين قد امتدحوا ملوك الفرس وسلطانهم كالشاعر الأعشى الذي مدح كسرى والشاعر وغيره كعدي بن زيد ولقيط بن يعمر وأبي الصلت بن ربيعة وغيرهم. أما العرب فكانوا مضطرين أيضا إلى أن يجيبوا بلون من الانتحال يشبه هذا اللون، فيه تغليب العرب على الفرس.
ويتوصل طه حسين إلى استنتاج تاريخي مهم وهو: أن القرآن الكريم هو الذي يستطيع المؤرخ أن يطمئن إلى صحته ويعتبره مشخصا للعصر الذي تلي فيه. أما شعر هؤلاء الشعراء (يقصد الشعراء الجاهليين) وخطب هؤلاء الخطباء وسجع هؤلاء الساجعين فلا سبيل إلى الثقة بها ولا الاطمئنان إليها.
وبناء على ما تقدم يقلب طه حسين ما اعتاد عليه النقاد في عصره وفي العصور التي خلت من قبله والذين كانوا يستشهدون بالشعر الجاهلي في بعض الأحيان لتفسير وفهم بعض ألفاظ القرآن الكريم، أما طه حسين فيقول العكس: فبنصوص القرآن وألفاظه يجب أن نستشهد على ما يسمونه الشعر الجاهلي بدل أن نستشهد بهذا الشعر على نصوص القرآن الكريم.
لا شك أن كتاب «في الشعر الجاهلي» يستحق أن يكون مادة لطلاب أقسام اللغة العربية، وهي أقسام يغلب عليها الطابع المحافظ، وهو أيضا يصلح أن يكون مادة للقراءة العامة لما فيه من دعوة لإعمال الفكر في تراثنا الأدبي والشعري، فضلا عن أن العمل ثري بمعلوماته وبطريقة محاججته وبمنهجه الذي يبدأ بالشك ليصل إلى اليقين.
كاتب كويتي
