نظرياً تبدو المسألة بسيطة ومباشرة. فوفقاً لنصوص اتفاقية السلام سوف يجري استفتاء عام في عام 2011 (نهاية المرحلة الانتقالية الراهنة) يقرر من خلاله شعب الجنوب مصيره النهائي. فإما أن يساند خيار استمرار الوحدة مع شعب الشمال أو ينتصر لخيار الانفصال الذي يمهد لقيام دولة مستقلة ذات سيادة للجنوبيين.

هكذا تبدو القضية سهلة التطبيق من ناحية التنظير لكن هل هي فعلا بهذه السهولة على أرض الواقع؟ هناك تعقيدات جنوبية ـ شمالية وأخرى جنوبية ـ جنوبية، وبين «الحركة الشعبية» الجنوبية و «المؤتمر الوطني» ـ حزبي الحكم ـ خلاف متصاعد بشأن ثلاث مسائل،

وهي: مصير مدينة «أبيي» الغنية بالنفط.. وهل تتبع للجنوب أم للشمال، ترسيم الخط الحدودي الفاصل جغرافيا بين الجنوب والشمال، بقاء وحدات القوات المسلحة القومية المرابطة حول حقول نفط جنوبية (كما يطالب المؤتمر الوطني) أو رحيلها (كما تطالب «الحركة»).

ما لم يحسم الخلاف حول هذه المسائل الشائكة ـ خاصة ترسيم الخط الحدودي الفاصل ـ فإنه سيكون من المستحيل عملياً إجراء الاستفتاء الجنوبي. ورغم الاجتماعات المتعددة والمكثفة التي عقدت بين ممثلي الجانبين فإن المفاوضات تبلغ في كل مرة طريقا مسدوداً مما حدا برئيس «الحركة» الجنوبية سالفاكير ـ وهو في الوقت نفسه النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الاقليمية في الجنوب إلى الحديث مؤخراً عن «تجدد الحرب» بين الجنوب والشمال.

هناك أيضا داخل الجنوب نفسه خلافات سياسية ذات طبيعة قبلية تجاه خياري الوحدة والانفصال، ولنستذكر أولا أن الشريحة المتنفذة المحتكرة للسلطة في الجنوب بكافة مستوياتها تتكون من عناصر «الحركة الشعبية» وأن تنظيم الحركة لا يمثل سوى قبيلة واحدة هي قبيلة الدينكا. هذه الشريحة المتسلطة تساند خيار الانفصال لكي يمتد احتكارها السلطوي القبلي إلى الدولة المستقلة المستقبلية التي سوف تنشأ كنتيجة طبيعة للانفصال.

هذا الترتيب تعارضه، بطبيعة الحال القيادات السياسية التي تمثل بقية القبائل. ولذا فإن هذه القيادات تميل إلى مساندة خيار استمرار الوحدة مع الشمال بأمل أن تحظى من الشماليين بحماية من القهر الدينكاوي ودعم الشمال لها في مطالبتها بقسمة عادلة في مؤسسات السلطة الجنوبية.

ومما يؤجج من غضب هذه القيادات ممارسات الفساد المالي واسع النطاق التي يقترفها أصحاب المناصب العليا في أجهزة حكومة الجنوب الدينكاوية.صفوة القول إن المستقبل السياسي للسودان بات غامضاً، وهناك ثلاثة محاور للأزمة: مآل الجنوب ومشكلة دارفور ومستقبل الحكم المركزي. ولا تلوح في الأفق القريب أية مؤشرات تدل على انفراج نهائي على صعيد أي من هذه المحاور الثلاثة.