دورة الاغتيالات السياسية في لبنان، تدق ناقوس الخطر. وصلت حلقاتها إلى حدّ مفصلي صار معه مصير البلد تحت السكين، ليس فقط لأن آلتها الإرهابية حصدت العديد من الشخصيات والرموز؛ بل أيضاً، لأنها، كما تبدو، مفتوحة على المزيد والأدهى فبقدر ما استمرت، حتى الآن على الأقل، عصية على كبحها وقطع دابرها، بقدر ما تحمل على الاعتقاد بأنها عازمة على مواصلة مسيرتها.
آخر حلقة من مسلسل التفجيرات المتجولة في لبنان، في السنوات الأخيرة، كان في سقوط النائب انطوان غانم ومعه ثمانية من المواطنين؛ في سيارة مفخخة، عشية أول من أمس؛ في إحدى ضواحي بيروت. كغيره من السوابق أثار عاصفة من ردود الفعل والغضب والمخاوف.
وهذه المرة أكثر من أية مرة سابقة بسبب توقيت العملية. فهي أتت قبل الجلسة المقررة يوم 25 الجاري، لمواجهة الاستحقاق الرئاسي. والأهم، أن احتمالات التوافق ـ ليس بالضرورة في هذه الجلسة ـ حول رئيس تسوية، انطلاقاً من مبادرة رئيس المجلس، نبيه برّي، وكانت في الأيام الأخيرة، قد بدأت تكتسب المزيد من الزخم والتعويم.
الحلحلة كانت في طريقها لتتحول إلى باب انفراج في ضوء الاحتضان المحلي والعربي والدولي المتزايد، للفرصة التي أتاحتها المبادرة. حصول الاغتيال، بدا وكأنه موجّه لتخريب هذه الفرصة والفتحات التي أحدثتها في جدار الأزمة. خاصة وأن هذه الأخيرة باتت تقف على مفترق طرق حاسم، ولم يعد أمامها سوى نيف وشهرين، لتدخل في واحد من طريقين:
إما التوصل إلى اختيار رئيس ضمن المهلة الدستورية، وبالتالي وضع الأزمة على سكة التبريد وإزاحة البلد من على حافة الهاوية، وإما تعثر التوافق وبالتالي الدخول في فراغ، مفتوح على كل الاحتمالات؛ من الفوضى إلى ما هو أبعد وأخطر.
من هنا الخطورة الفائقة للتفجير الأخير. رسالته واضحة. كل الأطراف اللبنانية قرأتها. التحدّي الآن يكمن في كيفية مواجهة هذه الرسالة. وهي مسؤولية لا يقوى لبنان على النهوض بها إلا بالإصرار على توسيع الباب الذي فتحته المبادرة، وما لاقته من تجاوب عريض؛ بغية تحويل التجاوب إلى تقارب يفضي إلى اختيار رئيس جديد بالإجماع.
على الأقل لإعطاء البلد واللبنانيين فسحة هدوء وأمل. أو على الأقل تمنحهم فسحة ترفع عن كاهلهم الكوابيس العديدة التي راكمتها الأزمة. لقد هدّت دورة العنف السياسي الدموي وما تناسل عنها من تعقيدات؛ قدرات لبنان المنكوب. يطلع من حلقة ليدخل في أخرى. وهو الآن يعود إلى اغتيالات وهو خارج لتوّه من حرب نهر البارد؛ التي تسببت بنزيف جديد كان بغنى عنه.
متتالية أرهقته. والآن أكثر من أي وقت مضى تهدده بالمجهول؛ من خلال تزامنها مع موعد لا يقبل التأجيل؛ يبدو وكأنه في سباق مع الأحداث والزمن؛ في لحظة لا توفر إلا القليل من الخيارات الصعبة.
المطلوب من اللبنانيين الحسم بخصوصها. في الماضي كانت المراهنة على الوقت متاحة ولو مكلفة. الآن الميسور واحد: المضي في التوافق لحسم الاستحقاق الرئاسي في موعده قبل اغتيال لبنان.
