لعل استقرار الوضع اللبناني وما يشوبه من توترات ناشئة عن احتقانات بين مختلف طوائفه وفرقائه يشير إلى أنه لم يأت أوانه، وأن هناك أيادي تسعى إلى تضييع وتكسير مفاتيح الحلول والمعالجات، كلما أوشك المسؤولون اللبنانيون على الوصول إلى تلك المفاتيح، بهدف إدامة الوضع على ما هو عليه، وهو ما يبعث على القلق والأسى من بقاء هذا الوضع في هذه المراوحة المستمرة.

وآخر محاولات إدخال لبنان في النفق المظلم ـ وربما لا تكون الأخيرة وهو ما لا نتمناه للبنان العزيز ـ عملية التفجير التي نفذت بسيارة مفخخة في منطقة سن الفيل المسيحية بضاحية بيروت الشرقية أمس وأدت إلى مقتل تسعة لبنانيين على الاقل، بمن فيهم النائب انطوان غانم المحسوب على الغالبية البرلمانية والتي توصف بأنها مناهضة لسوريا، حيث تؤكد بما لا يدع مجالا للشك في أن لبنان بكافة أطيافه ومسؤوليه ليسوا بمنأى عن مثل هذه العمليات وأن هناك عدوا يتربص بهم ولا يُكِنُّ لهم خيرا، من الواجب أن يحذروه، وأن يطوقوه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالالتفاف حول بعضهم بعضا وتوحيد كلمتهم ورأيهم لتكون سهما ينال من عدوهم وسدا منيعا يقف في وجهه، ولا بد من رفع شعار مصلحة لبنان وما عداها من أهواء ونزوات شخصية يجنيها أصحابها على حساب مصلحة لبنان وشعبه فمرفوض.

كما أن العملية وطريقة تنفيذها تشير إلى ذات الأيادي الخفية التي ارتكبت العمليات التفجيرية السابقة والتي استهدفت عددا من المسؤولين اللبنانيين والصحفيين الذين كان من بينهم النائب والوزير بيار الجميل ووليد عيدو.

ولا يمكن قراءة جريمة سن الفيل بمعزل عن الاستحقاق الانتخابي، إذ إنه جاء ليصب المزيد من الزيت على نار الشقاق بين الفرقاء اللبنانيين وهم على مشارف الاستحقاق الرئاسي الذي من المؤمل أن تنعقد أولى جلساته الثلاثاء المقبل.

وبقطع النظر عن الجهة التي تقف وراء حادث الاغتيال الأخير فإنه بلا شك يهدف إلى تقويض الجهود المبذولة للبحث عن مخرج لانتخاب رئيس جديد للبنان بعد المبادرة التي أطلقها رئيس البرلمان نبيه بري للوصول إلى رئيس توافقي .. وهو الحل الأمثل للبنان المنبني تاريخيا على ثقافة المحاصصة والتوافق بين كتله السياسية وطوائفه وتبايناته العرقية والآيديولوجية.

إن القادة اللبنانيين مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى ضبط النفس إزاء حوادث الاغتيالات الاجرامية التي تستهدف وحدة لبنان وسيادته، وإيكال الأمور الى جهات تحقيق قضائية لبنانية ودولية لملاحقة المتورطين، وألا يلتفتوا إلى الأبواق الناعقة والنافخة لنار العداوة والبغضاء والساعية إلى حرفهم عن المجرم الحقيقي باتهام طرف ما شقيق كسوريا مثلا، لتكريس حالة العداء التي أوجدها أعداؤهم مع أشقائهم السوريين.وعليهم المضي قدما في طريق البحث عن حل لأزمتهم السياسية على قاعدة التوافق والذي سيكون بلا شك لبنان الرابح الأكبر فيه.