يدور جدل في لبنان حول انتخاب رئيس جديد للبلاد، حيث يصل الفرقاء السياسيون إلى شفير الهاوية مع اقتراب المهل الدستورية من مواعيدها المحددة. ففي حين طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري المحسوب على المعارضة ما أسماه بمبادرة لانتخاب رئيس بالتوافق، مع عدم تجاوز حكومة الوحدة الوطنية. ردت الموالاة بترحيب حذر أفصح أن حكومة الوحدة الوطنية ستكون نتيجة لانتخاب رئيس جديد وأن الأحداث تجاوزت الحديث عن حكومة الوحدة.
وفي واقع الأمر أن هناك أزمة ثقة واضحة في الوسط السياسي اللبناني يعبر عنها الساسة أحيانا بخطابات حادة جدا بل وتخوينية أحيانا. الشيء الذي لم يساعد على تفاهم مشترك، وإنما الهروب إلى الأمام كل بأسلحته وطموحاته. مما خلق حالة استقطاب حادة.
وليس من السر أن القادة السياسيين في لبنان أو جلهم - على الأقل - يتعرضون لضغوطات من الخارج، في محاولة لجعل لبنان بيدقا لتصفية الحسابات السياسية وصراعات المصلحة بين القوى الإقليمية والدولية، ليتحول المواطنون اللبنانيون إلى ضحايا الأطماع السياسية الشرهة والمتطفلة في آن، فكان على هذه الدول أن تدير صراعاتها بطرق مباشرة، وليس بأسلوب الوكالة عن طريق قوى محلية مقهورة في لبنان.
أما الآن وقد حصل ما حصل (في السياسة وليس في حرب) من حشر لبنان في الزاوية فليس أمام اللبنانيين إلا التوافق وإعادة الثقة المفقودة إلى التعاطي السياسي، والتعالي عن الجروح (ومعظمها ولله الحمد جروح سياسية فحسب) وتغليب مصلحة لبنان والوجود اللبناني نفسه، حيث لبنان رئة للمنطقة العربية في الإعلام والثقافة والسياسة والاستثمار ومعبر حضاري لتلاقي الأديان والطوائف والمذاهب، وهو النموذج الذي ينبغي أن يضحي الجميع من أجل استمراره.
والتوافق كما يفهمه اللبنانيون ليس الموافقة على مجرد اسم، بل التوافق على برنامج عمل وطني يحمي لبنان من العدوان والإرهاب ويحصنه من الهزات الإقليمية والدولية.
ويحافظ على تماسكه الاجتماعي. فليس مطلوبا أن يكون لبنان إلا عربياً قومياً خالصاً، لكن ليست قومية الدكتاتورية والتسلط والوحدة الجبرية إنما القومية الحضارية الديموقراطية الملتزمة بالشرعية الدولية. كما يقتضي دور لبنان الرسالي أن يكون منفتحاً على العالم، لكن أيضا ليس الانفتاح الذي يؤدي إلى التطبيع مع إسرائيل.
إنما الانفتاح الملتزم بقضايا أمته المصيرية. هذا ما ينبغي أن تؤسس عليه حكومة لبنان الحر السيد المستقل. وما عدا ذلك شعارات لا تغني ولا تسمن من جوع. إنها وصفة يعرفها الساسة اللبنانيون جميعا، لكن الثقة والنوايا الحسنة والإرادة الصلبة شروط أساسية للعمل السياسي الوطني.
