المطالبة بجلاء القوات الأجنبية عن العراق مطلب طبيعي وهو مطروح في الداخل والخارج بقوة وإن هناك من يرى أن الانسحاب الفوري خطر يهدد أمن العراق والمنطقة والعالم، وهو تشخيص أراه صحيحا.

لكن ما لفت نظري من فترة وترقبت ظهور الشواهد التي تؤكده الإلحاح الشديد عربيا وعالميا على الانسحاب من العراق والعراق وحده، رغم أن احتلال العراق سبقه بقليل احتلال أفغانستان، بل إن المطالبة بالانسحاب من العراق احتلت موقع الأولوية قبل المطالبة بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، فلماذا العراق بالذات؟

استطلاع ثلثي العالم

من الشواهد التي أراها مثيرة في هذا الصدد استطلاع رأي عالمي أجرته مؤسسة جالوب سكان العالمية المعروفة وبرنامج مواقف السياسة الدولية بجامعة ميرلاند في الفترة من 29 مايو و26 يوليو. الاستطلاع أعلنت نتائجه الخدمة الدولية في البي بي سي البريطانية قبل أيام (7/ 9/ 2007) واهتمت به الصحافة العربية لأن نتائجه تقول إن «ثلثي سكان العالم مع الانسحاب من العراق خلال عام».

التفاصيل تقول إن الاستطلاع شمل 32 ألف شخص في 22 بلدا وهؤلاء ليسوا العالم، كما أن قضية اختيار العينات العشوائية والضمانات التي ينبغي توفرها حتى يمكن اعتبار هذه العينة «عينة ممثلة» كانت دائما مثار جدل بين الإعلاميين.

وفي مقابل مطالبة ثلثي العينة بالانسحاب خلال عام كان رأي ربع من شاركوا فيه يعتقدون أن القوات الأجنبية يجب أن تبقى في العراق إلى أن يتحسن الموقف الأمني. وقال نحو ثلثي الأميركيين الذين سئلوا (61 في المائة) إنهم يعتقدون أن قواتهم يجب أن تغادر العراق خلال عام. بينما نحو ثلث الأميركيين يقولون إن هذه القوات يجب أن تبقى إلى أن يتحسن الموقف الأمني.

والدول الأخرى الأعضاء في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بها أيضا أغلبية تريد انسحاب القوات خلال عام: 65 في المائة من البريطانيين، و63 في المائة من الكوريين الجنوبيين، و63 في المائة من الاستراليين. ولخص دوج ميلر رئيس مؤسسة جلوب سكان الموقف بقوله إن الاستطلاع أظهر أن معظم الناس سيؤيدون وضع جدول زمني للانسحاب.

وأضاف في بيان «غالبية الرأي العام العالمي والرأي العام الأميركي يعارض السياسة الحالية لإدارة الرئيس بوش التي تسمح للأوضاع الأمنية في العراق أن تملي توقيت سحب القوات الأميركية».

الاستطلاع ليس الوحيد لكنه من أهم المؤشرات على الاهتمام الشديد أو قل المبالغ فيه بضرورة الانسحاب من العراق، رغم أن القضايا المشابهة كثيرة ومنها كما أسلفت الوجود العسكري الأجنبي في أفغانستان، ويمكننا أن نضيف الوجود العسكري الإسباني في سبتة ومليلية المغربيتين وعمره مئات السنين، ومشكلة إقليم كوسوفو أيا كان الرأي في الحل الصحيح لمشكلته.

وفي المقابل هناك «الاستبداد» الذي تسبب - ضمن أسباب أخرى - في مجيء القوات الأجنبية للعراق، فلماذا لا يحظى الاستبداد بالموقف نفسه وهو دون شك ظاهرة تستحق الاستنكار والمواجهة والمطالبة.

قلب العالم

إن الاهتمام المبالغ فيه بالفعل بالانسحاب من العراق يعكس حقيقة أن قضايا تحرير التراب الوطني لا تتساوى فهناك قضايا «درجة أولى» وأخرى «درجة ثانية» ومن قضايا الدرجة الأولى العراق، فهي ليست مجرد دولة توجد على أرضها قوى أجنبية بل واحدة من أهم دول العالم في أي تصور كوني للأمن.

ربما كان هذا من أسباب تشدد الإدارة الأمريكية في رفض تحديد موعد للانسحاب منه، ويحلو للبعض أن يختصره في كونه عرضا من أعراض مرض الهيمنة الذي تعانيه الإدارة الأمريكية، وهنا نتوقف عن التحليل ونبدأ في الهجاء!

وبينما يقع العالم العربي في القلب الجيوستراتيجي للعالم بحكم الموقع وبسبب اعتبارات جغرافية لا تحابي أحدا كان الصراع خلال النصف الثاني من القرن العشرين يدور حول القلب السياسي للعالم (أمريكا/ أوروبا) وكان الأطلنطي نقطة ارتكاز المخططات العسكرية للقطبين.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي تحركت ساحة المواجهة على مصير العالم ومستقبله جنوبا ليتطابق القلب «السياسي» والقلب «الجيوستراتيجي» ويكتسب الحوض الجغرافي الممتد بين المحيط الأطلنطي والخليج العربي أهمية مضاعفة، وإن تفاوتت الأهمية النسبية لهذا الجزء أو ذاك.

ولذا فإن المطالبة بانسحاب القوات الأجنبية من العراق لا تقارن في الإلحاح عليها بأي ملف مشابه، وأهمية العراق الاستثنائية هي في الوقت نفسه سبب من أسباب شراسة الصراع عليه وامتداد المعركة زمانا ومكانا.

الاستثناء العراقي

والعراق أيضا استثناء من زاوية نظر أخرى، فرغم أن الولايات المتحدة الأمريكية أطاحت نظامين قوميين متشددين خلال الحرب العالمية الثانية هما النظامان الياباني والألماني واحتلت الدولتين لسنوات وأعادت هيكلة النظام السياسي فيهما على أسس ديمقراطية فإن أحدا لم يفكر لا في اليابان ولا في ألمانيا في حتمية المقاومة العسكرية للاحتلال الأمريكي.

ولا يوجد فيهما من رفع شعار رفض الانخراط في العملية السياسية في ظل الاحتلال، بل دفع الشعبان الألماني والياباني بشجاعة منقطعة النظير ثمن هزيمة النظام السياسي وانخرطوا في عمل دؤوب للبناء، وكلتا الدولتين الآن تربطهما علاقات وثيقة بالولايات المتحدة وكلتاهما من أصحاب المعجزات الاقتصادية المدهشة، وكلتاهما أيضا احتفظ بهويته السياسية فلم «يتأمرك» بقوة السلاح بل تأثرت أمم أخرى بالقيم الأمريكية تأثرا شاملا دون أن تطأ أقدام جندي أمريكي واحد أرضها.

ولكن كما قال لي مثقف وهو يصرخ فيَّ غاضبا: «إحنا حاجة تانية» رافضا أية مقارنة للعراقيين باليابانيين أو الألمان، والملفت هذه المرة أن هناك أطرافا نافذة على ساحة السياسة يجمعها العداء للولايات المتحدة ويجمعها أيضا الاقتناع بأن تغذية هذه الفكرة يخدم مصالحها.

لكن هذا «الوهم اللذيذ»، ضار بحاضرنا ومستقبلنا أبلغ الضرر فنحن مختلفون في النهاية بشر وما يحكمنا ليس فقط إرادتنا بل هناك سنن كونية لا تختلف وتفعل فعلها في العراقيين كغيرهم من الشعوب دون تفرقة، فاليابانيون أبناء دائرة ثقافة الكانجي، والألمان أبناء الثقافة الغربية الأوروبية، والعراقيون أبناء الثقافة العربية الإسلامية، كلهم لآدم والفطرة واحدة، حتى في السياسة!.

كاتب مصري