المصالحات أنواع و لكن في كلٍ خير.. إما مصالحة مع النفس، أو مصالحة مع الخصم، أو مصالحة مع الله وهي المدخل الحقيقي لمراجعة النفس والتراجع والمراجعة، وإصلاح الذات والتصالح والمصالحة مع كل مما يحيط بنا سواء كان يخاصمنا أو كنا نخاصمه، أو كان يقاتلنا أو كنا نقاتله.
والصلح خير في كل الأحوال وفي كل الأنواع، وأي دعوة لوقف نزاع بكلمة هي دعوة طيبة، وأي خطوة للتقريب بين موقفين مختلفين هي خطوة موفقة، وأية مساع مخلصة للإصلاح بين متنازعين خصوصا إذا كانوا مؤمنين وعلى الأخص لو كانوا أشقاء هي مساعي مباركة مصداقا لقول الله تعالى «إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم».
أقول ذلك بمناسبة الاحتفال بالإعلان في جدة عن توقيع اتفاقية (مصالحة وطنية صومالية) برعاية خادم الحرمين الشريفين. الصورة الإعلامية ضمت من الصومال كلا من الرئيس الانتقالي الصومالي عبد الله يوسف، ورئيس حكومته الانتقالية، ورئيس البرلمان الانتقالي، يقفون ترتسم على وجوههم الفرحة رافعين أياديهم المتشابكة علامة الوحدة والتلاحم والانتصار.
هذه الصورة التي تعطي انطباعا لدى القارئ وكأن الشخصيات الخمس الذين تعكس الصورة فرحتهم هم أطراف الاتفاقية ، وحين قرأت الخبر مستبشرا بهذه المفاجأة السارة بالمصالحة الوطنية التي يتمناها أي عربي مخلص أو مسلم شريف للصومال العربي المسلم الذي عادة ما ينساه العرب والمسلمون بعدما مزقته الحرب الأهلية والتدخلات الأجنبية الدولية والإقليمية على مدى 17 عاما و طالت مأساة شعبه الإنسانية بما يكفى للعمل الجاد على وضع حد لها.
وبحثت عن المشاركين في هذا المؤتمر، وعن أطراف هذه المصالحة، وعن بنود واضحة لهذه الاتفاقية، و لم أتمكن من العثور على نص للاتفاق، غير أن الخبر الذي عرض الكلمات الاحتفالية الطيبة بهذه المناسبة التي وصفت بالتاريخية أشار مثلما أشارت الكلمات إلى بداية عهد جديد من السلام والوحدة والمصالحة الوطنية في الصومال.. خيرًا.. ولكن على ماذا.. وبين من وَمن من المتخاصمين ؟
ولما تأكدت من أن الحضور هم ممثلون لقبائل قررت التعاون مع الإدارة الانتقالية لوقف الاقتتال، و أن هناك غيابا لقبائل أخرى تعارض هذه الإدارة لاستعانتها بقوات أجنبية، أدركت أنه مؤتمر لتحالف لمتعاونين مع الإدارة في مقابل مؤتمر تحالف المعارضين للإدارة الانتقالية وللاحتلال الأجنبي المنعقد في الوقت نفسه في العاصمة الارترية «أسمرة».
و مع غياب اتحاد المحاكم الإسلامية الذي يفترض أن يكون الطرف الأساسي لأية مصالحة والمدعوم بتحالف المعارضين الرئيسيين، في مقابل الإدارة الانتقالية المدعومة بقوات الغزو الاثيوبي المدعوم أميركيا.. أدركت على الفور أنها مصالحة مع النفس أي بين الحكومة والحكومة وبين القبائل الموالية والقبائل الموالية.. لا بأس.. خيرًا !
صحيح أن المصالحة الوطنية مسعى خير يسعى إليه الخيرون من قادة هذه الأمة خصوصا في شهر المصالحات والخيرات وعلى الأخص من السعودية رئيس القمة العربية.. ولكن حتى نضمن نجاح المصالحة الوطنية فلا بد لها أن تكون بين المتنازعين لا بين المتصالحين، ثم لابد لاتفاق المصالحة من إزالة أسباب الخصومة بين كل الوطنيين..
وهي هنا بكل تأكيد هذا الاحتلال الأثيوبي الأميركي المشترك الجاري ضد الصومال والذي جرى التخطيط له منذ دعوة الرئيس الأميركي إلى اجتماع لسبع دول غربية باسم « لجنة الاتصال الخاصة بالصومال» تلوح بالتدخل بحجة دعم الحكومة الانتقالية.
والذي قام باحتلال الصومال لمنع إتمام الجولة الثالثة لمفاوضات «الخرطوم» للمصالحة الوطنية الصومالية المطلوبة بتشكيل حكومة وحدة وطنية من الحكومة الانتقالية واتحاد المحاكم الإسلامية، وذلك بجهود عربية وافريقية برعاية الرئيس السوداني باعتباره رئيس القمة العربية السابقة..المحتلون هم خصوم الوحدة الوطنية والخصوم الحقيقيون لوحدة وسلام الصومال.
المطلوب حقا مصالحة وطنية جامعة برعاية السعودية بذات أجندة مفاوضات الخرطوم في غياب الوجود الأجنبي وبحضور عربي وإسلامي وإفريقي وسيط دون استئثار طرف صومالي ودون إقصاء طرف صومالي ودون إبقاء بذور الشقاق بين الأشقاء الصوماليين جميعاً الموالين والمعارضين.. يومها تكون الفرحة فرحتين.