يتحدثون باستمرار عن سلام شامل وعادل في منطقة الشرق الأوسط وعن دولتين مستقلتين، فلسطين وإسرائيل، على أرض فلسطين التاريخية وعن منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل وعن ضرورة احترام الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن واتفاقيات جنيف من قبل جميع الدول وحقوق الإنسان وإرساء الحريات ونشر الديمقراطيات في منطقة لم تنعم بمثل هذه الميزات منذ أن استعمرها الغزاة الفرنج في بداية القرن الماضي.
في الحديث السياسي الواقعي لا يوجد مصطلح النوايا الحسنة لأن لغة المصالح هي التي تطغى على السياسة الدولية وتنظم طبيعة العلاقات بين الدول المختلفة. ولكننا في العالم العربي وخاصة في صناعة السياسات الخارجية وإقامة العلاقات الثنائية مع العالم الخارجي لطالما تحدثنا عن حسن النوايا ومصداقية الدول الأجنبية والتحالفات الاستراتيجية والدفاعية
وننسى أو نتناسى العنصر الأهم ألا وهو التبادلية في المصالح وقياس مدى نجاح أو فشل العلاقات الثنائية وانعكاساتها على المنطقة على أساس تحقيق المصالح الوطنية والقومية وليس فقط المصالح المشتركة الضيقة أو حتى المصالح الأحادية الجانب. ولا نبالغ إذا قلنا إن معظم الدول العربية حالياً تقيم علاقاتها على أساس استمرار التبعية السياسية والاقتصادية للدول الأجنبية وخاصة الكبرى منها.
والمشهد العراقي الآن يشكل أحد أهم النماذج للسياسة الدولية التي تقودها إدارة الرئيس بوش وكيف أن العلاقات العربية ـ الأميركية لم تنجح في كبح الاندفاع الأميركي نحو تدمير وطن وشعب الرافدين وتقسيمه إلى طوائف ومذاهب متناحرة لا تخدم إلا مصالح الإدارة الأميركية وحليفتها إسرائيل. لم تنجح العلاقات العربية الوطيدة مع الولايات المتحدة في ترشيد السياسة الأميركية في العراق من أجل تخفيف التداعيات السلبية على العراق والمنطقة وخاصة على دول الجوار.
عراق اليوم وهو عراق مقسم عمودياً وأفقياً ومنهك بسبب السياسات الأجنبية ضده ومدمر بسبب الحرب والاحتلال أصبح مصدر التهديد الأول للدول المجاورة وخاصة الدول العربية التي تواجه سيناريوهات خطيرة في العراق من شأنها أن تهدد أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ما لم تعيد حساباتها السياسية وتتبنى استراتيجية جديدة لإدارة المأزق أو الهزيمة الأميركية في العراق تستطيع أن تساعد العراق في الحفاظ على وحدته الوطنية وبناء اقتصاده وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية بين جميع أطياف الشعب العراقي.
في هذا السياق لا بد من التأكيد على أن استمرار تواجد القوات الأجنبية في العراق أو خروجها السريع يجب أن لا يمنع الدول العربية من بناء استراتيجيتها المستقلة عن الاستراتيجيات الأجنبية من أجل منع انتشار الفوضى والإرهاب والانقسامات الطائفية إليها لا سيما وأن الإدارة الأميركية أبدت في الأيام الماضية نيتها البقاء في العراق لمدة طويلة بالرغم من بعض الإشارات حول عزم الرئيس بوش تخفيض قواته إلى حوالي مئة ألف جندي أميركي.
الحقيقة أنه لم يعد بمقدور الدول العربية بشكل خاص أن تستمر على موقفها المتفرج تجاه مجريات الأحداث الخطيرة في العراق والتقليل من تداعيات الملف العراقي على المنطقة لا سيما بعد صدور إشارات وتصريحات أميركية وإسرائيلية ومؤخراً فرنسية حول إمكانية التصعيد الدبلوماسي مع إيران دون استثناء خيار الحرب بسبب الملف النووي الإيراني تزيد من خطورة الأوضاع في المنطقة وتهدد الأمن والسلم لجميع الدول المجاورة وخاصة الدول العربية.
فالتكهنات تتواصل في واشنطن بأن البيت الأبيض قد حسم خياره على الأقل في الوقت الراهن بمواصلة سياسة التصعيد ضد إيران إلى حد اللجوء إلى العمل العسكري. وقد استخدم الرئيس الأميركي جورج بوش النقاش حول سحب قوات الاحتلال الأميركي من العراق الذي سيطر على الطبقة السياسية الأميركية لتشديد الضغط على إيران بالتأكيد على ضرورة احتوائها في الوقت الذي يجري فيه استخدامها كذريعة للبقاء في العراق.
وذكرت صحيفة «الصنداي تايمز» البريطانية قبل أيام أن مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الدفاع وأجهزة الاستخبارات الأميركية يعتقدون أن الرئيس بوش والمقربين منه يتخذون خطوات لوضع الولايات المتحدة على طريق الحرب مع إيران. كما ذكرت الصحيفة عن مراقبين قولهم إن بوش يريد أن يضمن قبل انتهاء فترة ولايته عدم قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي.
وهذا يعني أن اللهجة التي استخدمها الرئيس بوش في تصريحاته تجاه إيران تشير إلى أنه يميل في الوقت الراهن على الأقل إلى تبني وجهة نظر نائبه ديك تشيني والذي يكرر مطالبته بلجم إيران عسكرياً.
من جانب آخر، يشكل العدوان الجوي الإسرائيلي قبل أسبوعين على سورية، وهوسلوك عدواني لقادة إسرائيل على سيادة وسلامة الدول العربية، نموذجاً حياً واضح المعالم لإرهاب «الدولة» الذي كان، وما زال، أحد المقومات الأساسية للسياسة الإسرائيلية وأهم الأساليب التي طبقتها إسرائيل منذ ولادتها لتحقيق أهداف مشروعها الاستعماري التوسعي، معتمدة القوة العسكرية في تنفيذ هذا المشروع، ومستغلة المتغيرات الدولية والإقليمية ومتطلبات كل مرحلة من المراحل،
في هذا السياق، أرادت إسرائيل بدعم من الإدارة الأميركية تحقيق أهداف متعددة من أبرزها، الضغط على سورية كي تتراجع عن مواقفها السياسية المعارضة للسياسة الأميركية في العراق وفلسطين ولبنان وعن جهودها المشروعة لاستعادة أراضيها المحتلة في الجولان.
فلسطينياً تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت عن موقفه من المؤتمر الدولي للسلام وقلل من التوقعات بشأن هذا المؤتمر واعتبر أن المحادثات الفلسطينية - الإسرائيلية الجارية لا تستهدف التوصل إلى اتفاق مبادئ بل إلى التوصل لإعلان مشترك وهو ما يعني أن الجانبين الفلسطيني - الإسرائيلي ما زالا بعيدين جداً عن التوصل إلى اتفاقيات مبدئية بشأن القضايا الجوهرية الخاصة بالقضية الفلسطينية والحل الدائم كاللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والمياه.
كما إن المشاركة العربية في المؤتمر الدولي مرهونة بحجم التقدم الذي ستحرزه المحادثات الفلسطينية ـ الإسرائيلية ولا شك أن الإعلان المشترك الذي يتحدث عنه أولمرت لا يشكل استجابة لهذا الشرط وبالتالي فان انعقاد مؤتمر السلام الدولي دون مشاركة عربية في هذه الحالة سيفقده أيضاً أهميته خاصة فيما يتعلق بالحديث عن سلام شامل وإنهاء للصراع العربي ـ الإسرائيلي وفي مقدمته الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
ولهذا فإن مجرد عقد المؤتمر الدولي للسلام ليس هدفاً بحد ذاته لأن المطلوب أساساً لإنجاح المؤتمر الدولي للسلام أولاً اتفاق مبدئي حول القضايا الرئيسية يستجيب للحد الأدنى على الأقل المقبول فلسطينياً وعربياً، وثانياً خطوات إسرائيلية جوهرية بشأن القضية الفلسطينية كي يقنع الجانب العربي بجدوى المشاركة في مؤتمر السلام لا أن يكون المؤتمر مجرد مراسم بروتوكولية أو مجرد انجاز إسرائيلي لتطبيع العلاقات مع الأطراف العربية دون أن تلتزم إسرائيل بشيء جوهري يسهم فعلاً في تقدم عملية السلام.
إن الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في العالم العربي والمنطقة بأسرها بحاجة إلى انتباه شديد الحذر من قبل القادة العرب من أجل اتخاذ قرارات مدروسة وحاسمة نظراً لخطورة التطورات في العراق ولبنان وفلسطين وتدهور العلاقات الإيرانية ـ الغربية بسبب ملف إيران النووي وتداعيات كل هذه التطورات على مستقبل المنطقة العربية. هذه القرارات التي يتوقع منها أن تراعي المصالح العربية بشكل خاص لا بد لها من أن تأخذ بعين الاعتبار السياسة الأميركية في المنطقة والتي لا تراعي ولا تسعى إلا إلى تحقيق أمرين أساسيين هما حماية تدفق النفط العربي إلى الأسواق الغربية وحماية إسرائيل.
أما بالنسبة إلى تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وشجب العدوان الإسرائيلي على السيادة العربية والاعتراف بالجرائم الكبرى التي ارتكبت في العراق وفلسطين ولبنان من قبل الأميركيين والإسرائيليين فهذا أصبح معروفاً ومألوفاً عند الشعب العربي على أنه وهم وسراب وضرب من الخيال.
كاتب وباحث سياسي