ما طرحته الحكومة البريطانية، تحت عنوان «خريطة طريق اقتصادية» للأراضي الفلسطينية، مهم لكنه ليس أساسياً، هو يحاول معالجة عوارض المحنة، لا أسبابها، إفرازاتها وليس أولوياتها. لاشك أن الأوضاع الاقتصادية في الضفة وغزة صعبة وموجعة، وهي تتراكم وتصب في مفاقمة الحالة المأزومة. الظروف المعيشية باتت لا تطاق، في ظل وضع اقتصادي مخنوق بالحصار والاحتلال.

وبالتالي فإن أي تحرك لتحقيق انفراجات، على هذا الصعيد، هو مطلوب ومرغوب. لكنه يبقى مؤقتاً وعرضة للتلاشي؛ طالما بقيت مسألة السلام معلقة وظروف الاحتلال قائمة. في ظل هكذا حال أية معالجة اقتصادية، في الأراضي الفلسطينية، لا تقوى أن تكون أكثر من معونة سريعة عابرة لتخفيف المعاناة؛ التي لن تلبث أن تعود كلما رفع الاحتلال الإسرائيلي من حدة إجراءاته واعتداءاته، وهو الذي لا يكف عن رفعها وتشديدها يومياً.

يصوب تقرير حكومة براون على «الجوانب الاقتصادية للسلام في الشرق الأوسط». هدفه، «إقامة توازن بين الأمن الإسرائيلي والحرية الاقتصادية الفلسطينية». ويرى أن مثل هذا التوازن يشكل نوعاً من «التحدي الذي لا يمكن تجنبه». ولذلك فهو يوحي بأن تبادر إسرائيل إلى الرفع الفوري للقيود على حرية التنقل داخل الضفة وإدارة عمليات عبور الحدود للسلع والأفراد إلى غزة».

كلام جميل. لكنه معطوب في أحسن أحواله منقوص. مديرة «اوكسفام»، وكالة المعونة الدولية، وصفت «الخريطة» هذه بأنها «قد تكون تقريراً طيباً للغاية، لو كان هناك أساس للتحرك إلى الأمام». الأساس هو الوضع السياسي المعافى ـ إقامة دولة فلسطينية وزوال الاحتلال ـ الذي يمكنه أن يحتضن اقتصاداً معافى قادراً على النهوض بالوضع الفلسطيني.

وهذا بيت القصيد، وإلا فان الحديث عن تصحيح اقتصادي في ظل وضع احتلالي، أشبه بوضع العربة أمام الحصان. والملفت أن التقرير البريطاني أتى ـ قبل يومين ـ في الوقت الذي ينصب فيه كل الاهتمام على كيفية تفعيل مؤتمر السلام الموعود في نوفمبر القادم وتثميره.

الوزيرة رايس وصلت أمس إلى المنطقة لغرض الترويج والحشد لهذا المؤتمر، الذي سبق ان دعا الرئيس بوش إلى عقده، لكن حتى اللحظة لم يعرف احد، حتى الفلسطيني، بجدول أعمال هذا الحدث؛ ناهيك عن مقرراته المحتملة. الشكوك كثيرة حول فحواه وجدواه.

لا واشنطن أعطت فكرة في هذا الخصوص. ولا تل أبيب. العواصم العربية، إجمالاً، لديها خشية من ان يكون مؤتمر واشنطن، مجرد لقاء آخر؛ لا أكثر ولا أقل. وثمة تحفظات من أن يكون الغرض منه، تجييره ليكون عملية تعويم لورطة واشنطن أو تحويله إلى حفلة تطبيع مع إسرائيل.

مثل هذه التحفظات عبرت عن نفسها، على أكثر من صعيد. الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، حذرت من أن يكون هدفه ربط عملية السلام بالوضع في العراق. الجامعة العربية أعربت عن الموقف العربي بالقول إنه لا يريد أن يكون المؤتمر شكلياً «غرضه المصافحة وإصدار بيان ختامي لمواقف عامة»، وكانت دول عربية قد أعربت هي الأخرى عن مثل هذا التحفظ. وحتى الرئيس الفلسطيني أفصح هو الآخر عن مثل هذا الموقف.

لقد اكتوى الفلسطينيون والعرب من مثل هذه الاجتماعات الخاوية. وحسنا يفعلون الآن باشتراطهم الجدية قبل المشاركة. وكذلك حسناً تفعل بريطانيا لو ضمت جهودها الى ضمان خروج هذا المؤتمر بنتيجة بدل الحديث عن الجانب الاقتصادي للسلام. الآن وقت السلام أولا ثم يأتي الاقتصاد ثانياً.