حرية التعبير حق مقدس، لا يجوز اعتراضه أو المساس به.. كلمات عذبة طالما تغنى بها الغرب الأوروبي الأميركي إعلاميا وسياسيا، وما أكثر ما شَهَرَهَا هذا الغرب ذاته سلاحا في وجوه الآخرين حين يبيح لنفسه نعتهم بما يشاء من أوصاف مسيئة ومهينة أو يقدمهم في صور سينمائية أو تلفزيونية أو من خلال رسوم أكثر إساءة وابتذالا.
إلى هنا والأمر يمكن فهمه، بل وتقبله إذا كان معيارا يتساوى الجميع في الخضوع له والوقوع تحت نيره، ولو من باب المقولة المغلوطة «المساواة في الظلم عدل»!، لكن ماذا لو حاول أي كان أن يقترب، ولو فكريا ولغايات الفهم والاستيضاح لا أكثر، من محيط أحد جدران الممنوعات والمحرمات «التابوهات» التي اخترعها هذا الغرب إما تكفيرا عن جرائم سابقة أو حماية لمصالح آنية؟
المفارقة الفاقعة والفاضحة أن من يفكر في مجرد الاقتراب من هذه «التابوهات» الغربية سيواجه بكل أنواع المنع والقمع ومحاكم التفتيش على النوايا وما قد تخبئه النفوس، وليس على الأفعال أو حتى الأقوال، ومهما كان هذا «المقترب» من صميم المجتمعات الغربية ومن أبرز نخبها الفكرية والثقافية، كما حصل مع المفكر الفرنسي روجيه غارودي والمؤرخ البريطاني دافيد ايرفنغ، لمجرد أنهما طرحا تساؤلات منهجية حول الأسس التاريخية للصهيونية وحقيقة المحرقة النازية!
جديد هذه المغالطات التي تكشف مدى عمق وتجذر «عمى المعايير» لدى هؤلاء الذين يدّعون حماية الحرية ويزعمون أنهم حملة لوائها، هو ما حدث الأسبوع الماضي في ألمانيا الأمة العريقة تاريخا وفكرا وإحدى أكبر الديمقراطيات الغربية.
فعندما قام أسقف كولونيا الكاردينال يواكيم ميسنر باستخدام «حقه في التعبير» عن رأيه وبحكم موقعه ووظيفته كرجل دين، واعتبر أن «الفن الذي يجرّح في الدين كثيرا يصبح منحطا»، موضحا انه «يجب ألا ننسى وجود رابط متين بين الثقافة والدين»، ثارت ضده عاصفة هوجاء أقامت الدنيا ولم تقعدها بعد.
فقد سارع الأمين العام للمجلس المركزي لليهود في ألمانيا مصرحا بان الكاردينال «يوقظ بامتياز المعارك الفكرية» بتصريحه هذا وانه «تخطى حدود المسموح به»، على حد تعبيره حسب ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية يوم الأحد الماضي، بل إن سكرتير الدولة للشؤون الثقافية في حكومة رينانيا شمال وستفاليا، إحدى أكبر الولايات الألمانية وأكثرها سكانا، ذهب ابعد من ذلك حين قال «إنه لأمر مخيف أن ينساق الكاردينال ميسنر وراء استخدام مثل هذه العبارات»،.
وأردف في عبارات نابية تخلو من اللياقة وتفتقر لأدنى معايير الحوار الثقافي الحضاري «وهذا يؤكد أنه لا يفهم شيئا في الفن والثقافة»، كل ذلك لأن عبارة «الفن المنحط» سبق أن استخدمها بعض المسؤولين النازيين في تبريرهم لإتلاف بعض اللوحات الفنية في المتاحف الألمانية خلال أربعينات القرن الماضي!!
في المقابل عندما يعبر المسلمون، ولو سلميا وبالطرق الدبلوماسية أحيانا، عن اعتراضهم أو امتعاضهم من نشر رسوم كاريكاتورية غربية سيئة فنيا ومسيئة لمشاعر المسلمين ومعتقداتهم كما حدث في الدنمارك العام الماضي وفي السويد مؤخرا، فإنهم سرعان ما يُنعتون بالإرهاب ويُتهمون بالعدوانية ومعاداة حرية الرأي والتعبير. بينما ينبري الرسام السويدي المغمور الذي ارتكب تلك الرسوم المشينة، متذرعا بأن «من أساسيات الفكر الغربي أن تكون قادرا على التعبير عن فنك، دون استثناء المقدسات».
ولم يقف الأمر عند هذا الحد الفردي الشاذ، بل تنادت الصحف السويدية معلنة تضامنها مع الرسام إياه ومع الصحيفة التي نشرت رسمه البذيء وأعادت إحداها نشره من جديد، في تحد سافر لمشاعر أكثر من مليار مسلم يمثلون سدس سكان المعمورة.. والذريعة الممجوجة هي ذاتها «الدفاع عن حرية التعبير»!
فأين هذا «الدفاع المستميت» عن حرية التعبير في حالة الكاردينال الألماني ميسنر؟ أم أن ما هو متاح ومباح ضد الإسلام والمسلمين، غير مسموح به أو حتى بجزء ضئيل منه، تجاه السامية المزعومة والهولوكوست المثير للجدل؟! علما بأن الرسام المذكور يقيم في ألمانيا حيث يدير ما يوصف بأنه «مؤسسة فنية»!
فهل هناك توصيف لهذا التناقض الفاضح في المفاهيم والمواقف، سوى أنه عمى أشنع وأخطر من «عمى الألوان» الذي لا يميز مريضه بين الأبيض والأسود أو بين الأحمر القاني والأصفر الفاقع؟
إن التمادي في اعتماد هذا النهج الأعوج والأهوج المناقض لكل المعايير القيمية والموضوعية، هو الذي دفع العالم وما زال يدفعه نحو المزيد من الصراعات وأعمال العنف والعنف المضاد، ويضع البشرية تحت رحمة التطرف والإرهاب بمختلف أشكاله ومنطلقاته. فهل يعي هؤلاء الغربيون مخاطر ما ينهجون؟ ومتى يعيدون قراءة ما كتبه عباقرتهم من رواد النهضة والتنوير الذين وضعوا وحددوا أسس ومفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، أمثال هيغل وكانْت وجان جاك روسو وغيرهم من عظماء الفلاسفة والمفكرين في العصر الحديث؟
ذلك هو السبيل الوحيد لمنح البشرية فسحة أمن وأمل.. أما البديل فسيكون قاسيا على الجميع ومدمرا بلا نهاية.