بينما تنشط الجهود الإفريقية والأممية والسودانية هذه الأيام في اتجاه توفير شروط نجاح مؤتمر السلام والمصالحة في دارفور المقرر عقده في العاصمة الليبية نهاية الشهر القادم والتي يؤمل أن تكون نهاية الطريق للوصول إلى السلام.. خرجت أمس الأول بمناسبة اليوم العالمي الرابع لدارفور مسيرات تدعو إلى فرض السلام، ووقف المأساة الإنسانية والضغط لإنهاء القتال، وذلك في حوالي 30 دولة أوروبية أبرزها واشنطن وباريس ولندن، وحملت إحداها شعلة السلام من « دار السلام » التنزانية إلى «روما» الإيطالية .
سبق هذه الجهود قرار دولي بموافقة الحكومة السودانية لإرسال قوة مختلطة إفريقية دولية قوامها 26 ألف جندي لتحقيق الأمن بما يتيح عودة اللاجئين إلى قراهم وللمساعدة على عودة السلام إلى الإقليم.
كما سبق هذه الجهود عقد مؤتمر في مدينة «أروشا» التنزانية لفصائل المعارضة الدارفورية المتباينة الرؤى للاتفاق على رؤية موحدة لكافة الفصائل فيما بينها للتفاوض عليها في «طرابلس» مع الحكومة السودانية، واتفقت بالفعل معظم هذه الفصائل على هذه الرؤية عدا فصيل واحد هو «حركة» عبد الواحد نور المقيم في باريس، والمصر على القتال والرافض للتفاوض مع الحكومة في «طرابلس» مثلما رفضت حركته المنقسمة توقيع اتفاق سلام في «أبوجا».
آخر هذه الجهود هو إعلان الرئيس السوداني «عمر البشير» عزمه وقف إطلاق النار قبيل انعقاد مؤتمر السلام في طرابلس لتوفير أجواء صالحة لتفاوض ناجح يمكنه التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، خلال زيارة لايطاليا تستهدف دعوة أوروبا لبذل الجهود لدفع الفصائل المعارضة لانتهاج طريق التفاوض، فيما رأى مضيفه «برودي» التصريح السوداني «إشارة قوية» لتمهيد الطريق للسلام في الوقت الذي لم يخف قلقه من تدهور الأوضاع الإنسانية في دارفور.
كما جاءت تمنيات «بابا الفاتيكان» القلبية للتوصل إلى السلام خلال لقائه بالرئيس البشير من رجل طالما وجه النقد للحكومة السودانية في معالجتها لأزمة دارفور كمؤشر إيجابي داعم للجهود التي تبذلها كل الأطراف لنجاح التفاوض في التوصل إلى اتفاق سلام جامع لكل الأطراف،.
وإذ سبق ذلك زيارة ناجحة إلى دارفور فإن التحرك السياسي السوداني إلى أوروبا يعنى إدراكاً من الخرطوم بأن العامل الدولي الداعم لبعض أطراف التمرد المسلح والذي دأب على تحميل المسؤولية للحكومة عن تدهور الأوضاع الأمنية، فإن الخرطوم أرادت بهذا التحرك الأخير .
وما سبقه من تجاوب مع قرار مجلس الأمن ومع زيارة الأمين العام للأمم المتحدة الأخيرة للسودان دفع الكرة باتجاه نصف الملعب الآخر سواء المصر على الاقتتال أو الداعم للقتال.
وليس بخاف على أي من المراقبين أن حركة تحرير السودان التي بدأت تفجير النزاع في دارفور بهجماتها على قواعد عسكرية ومراكز أمنية للجيش والشرطة السودانية عام 2003، والتي رفضت اتفاق «أبوجا» للسلام قد انقسمت إلى خمسة فصائل مما عقّد مهمة التفاوض، لكن الإيجابي في التحركات الدولية بشأن دارفور هو نتائج زيارة الأمين العام للأمم المتحدة للسودان وليبيا وتشاد وتصريحاته الإيجابية نحو الحكومة السودانية والمتفائلة بشأن مؤتمر «طرابلس» .
ومستقبل السلام وإدراكه أن العقبة الحالية هي بعض حركات التمرد الرافضة للتفاوض والتي على المجتمع الدولي الضغط عليها للمشاركة في هذا المؤتمر الجامع، والإيجابي أيضاً في التحركات الإفريقية هو إعلان رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي «ألفا عمر كوناري» أن ستا من الدول الإفريقية من بينها مصر قد وافقت على توفير القوة الأممية المختلطة بما يعني ألا حاجة لقوات أوروبية في هذه القوة الدولية،.
وهو ما يحقق للسودان مطلبه السابق برفض دخول قوات أميركية أو أوروبية للسودان بصفة دولية أو في القوات الأممية المقررة وفق القرار الدولي الأخير لمجلس الأمن الذي أكد على احترام السيادة السودانية.
لكن يبقى الأكثر إيجابية هو إدراك جميع الأطراف المتنازعة في دارفور أنه لا القوات الأممية مهما كان عددها أو عتادها ولا استمرار رفع السلاح من جانب المتمردين، ولا استمرار استخدام القوة من جانب حكومة السودان هي التي ستقود إلى وقف النزاع الأهلي في دارفور، لكن الحوار الوطني وحده دون تدخل أجنبي، والتفاوض السياسي لا الحلول العسكرية هو الطريق الوحيد الممكن إلى السلام .