تنامت حركة «المجتمع المدني» خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي وبواكير القرن الحالي، وانتعشت مؤسساتها، وتعددت وتنوعت أدوارها، وأخذ العديد منها يلعب دوراً مؤثراً على مختلف الصعد الوطنية والإقليمية والعالمية.
وفي أعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي، وفشل معظم دول العالم الثالث في تحقيق التنمية المستدامة، وتبني سياسات الخصخصة والتكييف الهيكلي واقتصاد السوق، وبروز دور منظمات الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي في هذه التحولات، اكتسب مفهوم المجتمع المدني بعدا «تنمويا» جديداً وأصبح ينظر إليه باعتباره المجال الذي يتيح إشراك المواطنين في «التنمية البشرية المستدامة».
ثم جاء خطاب «الليبرالية الجديدة» ليركز على دور القطاع الخاص كأداة للتنمية الأساسية، مع توفير حد أدنى من المشاركة والتنسيق مع منظمات المجتمع المدني، وخاصة في مجال شبكات الحماية الاجتماعية التي تستهدف أفقر الفقراء، ومواجهة إرهاصات الخصخصة و«التكييف الهيكلي ».
ودخلت مصطلحات جديدة مثل «المشاركة » و«التمكين» على خطاب التنمية، كما منح المجتمع المدني وظائف إضافية منها حماية الأفراد من تدخلات الدولة وتجاوزاتها من جهة، ومن تغول القطاع الخاص من جهة أخرى، حتى بات يطلق على « المجتمع المدني» مسمى «القطاع الثالث» تأكيد استقلاليته وتمييزه عن القطاعين العام والخاص.
ومع الحراك المجتمعي العام اكتسب المجتمع المدني أهمية خاصة باعتباره أكثر الأطر والوسائل والأدوات التنظيمية الملائمة للفعل والتأثير في تعريف القضايا وتحديد المشكلات وتقديم المبادرات والخدمات التنموية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بطريقة مقبولة وذات جدوى مالية وسياسية، وباستقلالية وتميز عن القطاعين الحكومي والخاص.
ولعل أهميته تتجلى بتنوع مجالات النشاط والأهداف والمقاصد وشموليتها لقضايا : الحريات العامة، وحقوق الإنسان، والبيئة، والتنمية البشرية المستدامة والمتوازنة، والاهتمام بالفقراء والمهمشين والمحرومين.
وتحدي سياسات العولمة، وإعادة صياغة الوعي الاجتماعي والمدني، ومناهضة الحروب والتسلح النووي، مما أدى إلى التوسع بالخطاب الإعلامي والثقافي باتجاه الرؤية القائلة ب«المجتمع المدني العالمي» الذي يتجاوز الرؤى الوطنية والمحلية وحتى الإقليمية الضيقة، «واتسع معه نطاق الأدوار المنوطة بالمجتمع المدني لتشمل «الدور الرقابي لأداء السلطة ومؤسساتها المختلفة» في سبيل الارتقاء بنظام الحكم وآليات المساءلة والمحاسبة ومكافحة الفساد، الأمر الذي يعزز المشاركة، و يعطي لعملية الإصلاح زخماً وقوة دفع تسرع عمليات البناء والتنمية والإصلاح الشامل وصناعة القرار.
إن «المجتمع المدني» إذ ينطلق من قاعدة الانتماء للمجتمع والالتزام بتنميته، فإن جوهر رسالته التنموية تتركز على رفع مستوى المجتمع.
وبذلك فإن التحول نحو المجتمع المدني يشكل ضرورة موضوعية تستدعيها عمليات الإصلاح والتغيير والتنمية، و إقامة الحكم الرشيد في دولة المؤسسات والديمقراطية وسيادة القانون والقضاء الكفء والنزيه والمستقل، حيث الشفافية والمحاسبة والمساءلة وحرية الوصول إلى المعلومات.
على أن الصورة في الواقع الميداني ليست بهذه الوردية في العديد من الدول ومنها دول العالم الثالث، ففي الدول العربية مثلاً دخل مصطلح «المجتمع المدني» إلى الخطاب الإنمائي والسياسي والفكري من مدخل الديمقراطية وحقوق الإنسان.
وليس من مدخل التعاون بين السلطة والمجتمع باعتبار أن كليهما ركيزة أساسية في بناء المواطنة، فنشأ عن هذا المدخل حالة تنافر، مما يفسر استبعاد الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والحركات الاجتماعية، فضلاً عن الصحافة ووسائل الإعلام والغرف التجارية والصناعية والجامعات والمعاهد العليا من مفهوم المجتمع المدني (جميل هلال /2004).
كما إن المتتبع لحالة المجتمع المدني العربي يستطيع أن يكشف وبسهولة عن سلسلة من الإشكاليات، منها على سبيل المثال : «المقاومة الحكومية»، بل «العداء المكشوف« لمؤسساته، وكثيراً ما تتمظهر هذه الحالة من المقاومة والعداء في إجراءات قمعية وتضييق الخناق، فتضع «المجتمع المدني» في حالة تردد تحول بينه وبين قيامه بدوره أو التعبير عنه أو اتخاذ أي موقف تجاه أي قضية.
إن حالة التردد هذه ربما تفسر - إلى حد ما - غياب أو تغييب المجتمع المدني في كثير من الدول العربية، وضعف دوره في التأثير في المجتمع، كما تفسر أسباب ضعف الوعي العام بأهمية المجتمع المدني وجدواه وتأثيره ودورها الحيوي في المجتمع!!
لكن هناك إشكاليات ذاتية تتعلق بالمجتمع المدني نفسه منها : «افتقاده في كثير من الحالات لآليات البناء المؤسسي، وعدم وجود آليات لتحقيق ذلك أو لضعف في القدرات اللازمة لتأهيل هذه المؤسسات، ناهيك عن غياب الشفافية والممارسة الديمقراطية داخل كثير من مؤسسات المجتمع المدني في الأقطار العربية، مما يفسر انحسار القاعدة الشعبية لهذه المؤسسات في أوساط الناس.
كما تواجه المجتمع المدني العربي عوائق عديدة تحد من قدرته على التأثير في عملية التغيير والإصلاح، و تحول دون قيام مجتمع مدنيّ مستقل، لعل أبرز هذه العوائق ما يتعلق بالإطار التشريعي.
حيث هناك ثغرات وقيود تفرضها قوانين الجمعيات والصحافة والنقابات والأحزاب، وتسمح للحكومة بالتضييق على مؤسسات المجتمع المدني والتدخل فيها، فتتوتر بسببها العلاقات بين الطرفين وتتسع الفجوة، ويغيب التعاون، وينحسر الدور والتأثير، ناهيك عن العوائق الذاتية التي تتجلى بغياب الرؤية والنهج الاستراتيجي في العمل عند العديد من مؤسسات المجتمع المدني،إضافة إلى ضعف ثقافة التضامن والمشاركة والمبادرة الديمقراطية والتطوعية.
إلا إن كل ذلك لا ينفي أهمية التحول للمجتمع المدني وتمكينه من أداء دوره، فهذا التحول أصبح ضرورة موضوعية تستدعيها التحولات العالمية والإقليمية، ولكن عملية التحول هذه تستلزم أن يمتلك المجتمع المدني القدرات الفنية والموارد المالية اللازمة.
وتمتعه بحق الوصول إلى المعلومات في إطار من الشفافية والمسؤولية، مع إتاحة مساحة إعلامية وسياسية كافية تمكنه من تنفيذ رقابته والقيام بدوره، وتسهيل مشاركته، وامتلاك هذه القدرات يتطلب التأهيل والتدريب المستمرين واللازمين لتمكين المجتمع المدني من أداء دوره في تعزيز الحكم الصالح والمشاركة في الإصلاح.
وبالضرورة فإن هذا التحول يستلزم كذلك رفع كثير من القيود السياسية التي تحد من قدرة المجتمع المدني على القيام بوظائفه في جمع المعلومات، وتثقيف الناس، وبناء التحالفات، والاستفادة من الخبرات الوطنية، أو الإقليمية والدولية.
إن العلاقة بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني ينبغي أن تستند إلى قواعد أخلاقية تؤطر العلاقة وتضمن استمرارية العمل وحريته واستقلالية المؤسسات في إطار من القانون والشرعية، كما ينبغي أن تتمتع منظمات المجتمع المدني بحرية التنظيم والخطاب العام، دون حظر قانوني يقيد قدرتها على العمل أو تأمين التمويل من مصادر قانونية مشروعة، ناهيك عن ضرورة حماية نشطاء المجتمع المدني بعامة.
خلاصة القول فإن الحضور المتصاعد لمؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي وارتفاع وتيرة الدعوة إلى الحوار المجتمعي الشامل حول القضايا والمشكلات والحلول والاستراتيجيات، مع ضمان حق الجميع في المشاركة، ليؤشر إلى إمكانية زيادة تأثير هذه المؤسسات في صناعة القرار الإنمائي وترقية الأداء المجتمعي.
سياسي وبرلماني سابق وخبير قانوني أردني