يلاحظ المراقبون هذه الأيام تحولات لافتة للدبلوماسية الفرنسية إزاء الملفات الشرق أوسطية بعد زيارات مهمة قام بها وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنار إلى كل من لبنان والعراق وفلسطين وإسرائيل وآخرها الأسبوع الماضي لكل من القاهرة وعمان، وبعد المواقف التي أعلنها الرئيس ساركوزي حول هذه القضايا في اجتماعه بسفرائه في العالم، يضاف إليها ما أفصحت عنه باريس بشأن الملف التركي والملف الإيراني.

ولا ننسى نجاح السعي الفرنسي في حلحلة معضلة الممرضات البلغاريات بواسطة العمل الدبلوماسي الناعم (السوفت) الذي شهد زوجة الرئيس السيدة سيسيليا ساركوزي تركب موجة المفاوضات المكوكية التي أدت بمساعدة الجانب القطري والسفير القطري المتميز بباريس إلى تحرير الممرضات وعودتهن إلى بلادهن وحصول طرابلس على تعويضات بدون إراقة ماء الوجه.

يرى المراقبون بأن باريس تخلت عن التردد والتلعثم الدبلوماسيين ودشنت مع الرئيس نيكولا ساركوزي مرحلة جديدة يمكن وصفها بدور ريادي في الاتحاد الأوروبي حتى تكون باريس قاطرة دبلوماسية للعربات الأوروبية في عهد يتسم بإرادة الاتحاد الأوروبي القيام برسالة العملاق القادم في مجال العلاقات الدولية لترجيح الكفة السياسية مقابل الامبراطورية الأميركية في عالم هو ذاته جديد ويعاني من أحادية قطبية لم تعد أوروبا تراها خادمة لمصالحها الحيوية في المستقبل، مهما حرصت على علاقاتها الحليفة والمميزة مع واشنطن.

فبرنار كوشنار المعروف بطرافة واستقلال مواقفه يشعر بارتياح مع الرئيس ساركوزي لأنه لا يتصادم مع توجهات الرئيس ولكن في نفس الوقت لا يتنكر لتعهداته والتزاماته كأحد أبرز وجوه العمل الإنساني والداعي إلى ما سماه حق التدخل في شؤون الدول لأسباب إنسانية.

وسبق للدكتور كوشنار عندما طالع كتابي المتواضع بالفرنسية حول العلاقات بين الإسلام والغرب عند صدوره أن راسلني مشكورا بخط يده داعيا إلى أن يناضل المسلمون من أجل إقرار هذا الحق في القانون الدولي.

و لكن الجانب الخفي من هذا التحول الدبلوماسي الفرنسي هو الذي يهمنا نحن العرب لأنه حقيقة يبشر بتغيير هام في العلاقات الأوروبية الأطلسية وكذلك بتغيير جذري في حضور باريس في المحافل والأزمات الدولية.

وأبرز حلقة في الجانب المسكوت عنه هو السعي الفرنسي لجر الاتحاد الأوروبي لدخول معترك الدفاع الفضائي، أي تطوير القوة الأوروبية في مجال الفضاء وهو المجال الحيوي المستقبلي لكل قوة عسكرية تريد حماية ترابها وشعبها ومصالحها في الزمن القريب القادم. وهنا يقول لنا الخبير الفرنسي (أرنو دو لا غرانج) بأن الولايات المتحدة تملك 200 قمرا صناعيا عسكريا تتجول في الفضاء وتساند قواتها الأرضية والجوية والبحرية، في حين أن أوروبا كلها لا تملك سوى 20.

ويضيف الخبير بأن واشنطن تخصص 5,7% من ميزانية دفاعها لتطوير الدفاع الفضائي بينما لا تخصص القارة الأوروبية سوى 4,0% من ميزانيتها، أي أن الفرق يعتبر خندقا سحيقا بين الاستراتيجية الأميركية والاستراتيجية الأوروبية.

أما السيد (أوليفييه ساجاك) المحلل في برنامج الذكاء الاستراتيجي بباريس فيقول لنا إنه بعد عشر سنوات ستتفوق دول صاعدة على الاتحاد الأوروبي في هذا المجال الحساس وهي الصين والبرازيل واليابان ولكن خاصة الهند التي طورت دفاعها الفضائي بشكل سريع ودقيق خلال السنوات الخمسة الماضية!

وتسعى باريس على لسان وزيرها للدفاع (هرفيه موران) إلى جر أوروبا إلى ضرب الميزانية الأوروبية العسكرية الفضائية في خمسة لتلافي النقص واللحاق بصفوف الأمم الصاعدة مثل الهند. ويؤمن الرئيس ساركوزي بأن الحروب القادمة ستدور جزئيا في هذا الحقل.

أما الجانب الثاني الخفي فهو الذي وصفته وزيرة الداخلية الفرنسية ميشال أليوت ماري بضرورة تقدم باريس على خط مقاومة الإرهاب عوض أن توكل هذه المهمة للحليف الأميركي وأكدت في مقال لها صدر بصحيفة لوفيغارو يوم 11 سبتمبر2007 لاحياء ذكرى الهجوم على نيويورك بأن باريس ستغتنم فرصة رئاسة فرنسا للاتحاد الأوروبي لتتقدم ببرنامج متكامل لمقاومة الإرهاب أي ان فرنسا تنوي الريادة أيضاً في هذا المجال وقيادة العربات الأوروبية نحو استراتيجية مستقلة لا تعتمد على الحليف الأميركي فقط.

هذه هي بوادر الدبلوماسية الفرنسية الجديدة وأكاد أقول الدبلوماسية الساركوزية الجديدة لأن هذا الرئيس يريد «القطيعة» مع كل ما كان معمولا به في فرنسا وبلا روتوش دبلوماسي.

كاتب تونسي

رئيس الأكاديمية الأوروبية للعلاقات الدولية بباريس

alqadidi@hotmail.com